لم تعد المواجهة الدائرة حول إيران مجرّد أزمة نووية أو جولة ضغط سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى صراع مفتوح على شكل النظام الإقليمي بأسره، وعلى مستقبل الممرات البحرية والطاقة والتوازنات العسكرية في غرب آسيا. وما يجري اليوم يكشف حقيقة أساسية حاولت واشنطن إخفاءها منذ بداية التصعيد: الحرب لم تُخضع إيران، بل دفعت المنطقة إلى إعادة رسم معادلات القوة، وأظهرت حدود الهيمنة الأميركية والصهيونية معاً.
فحتى 11 أيار، تبدو الصورة شديدة التعقيد: مفاوضات متعثرة، حشود عسكرية متزايدة، قواعد سرية، إنهاك داخل جيش الاحتلال، وسباق محموم لمنع انهيار الردع الغربي في الخليج. لكن خلف كل هذه العناوين، يبرز “مضيق هرمز” بوصفه العقدة المركزية التي تختصر جوهر الصراع كله.
هرمز: من ممرّ نفطي إلى ورقة سيادية
التعثر الجديد في المفاوضات الأميركية–الإيرانية لم يأتِ من فراغ. فطهران لم تعد تتحدث بلغة “الضمانات النووية” فقط، بل بلغة سياسية–سيادية كاملة: رفع العقوبات، فكّ الحصار البحري، تحرير الأموال المجمّدة، والاعتراف بحق إيران في إدارة أمن مضيق هرمز مقابل التزامات متبادلة مع واشنطن.
فالقبول بهذه الشروط لا يعني مجرد تنازل تقني، بل اعترافاً استراتيجياً بأن سنوات “الضغط الأقصى” فشلت في كسر إيران، وأن الحرب نفسها انتهت إلى تثبيت دورها الإقليمي بدلاً من تقويضه. بالنسبة لدونالد ترامب، الذي بنى خطابه على صورة “القوة الساحقة” و”إخضاع الخصوم”، فإن التراجع أمام طهران سيُقرأ داخل الولايات المتحدة كهزيمة سياسية مدوّية، لا كاتفاق دبلوماسي.
لهذا السبب تبدو واشنطن عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التصعيد مع ما يحمله من مخاطر انفجار إقليمي شامل، أو القبول بتسوية تعني عملياً الاعتراف بإيران لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوزه في أمن الخليج والطاقة العالمية.
الاستطلاع الأميركي: حرب أعصاب فوق الخليج
طائرات RC-135 وE-3 وU-2S وP-8A إضافة إلى المسيّرات المختلفة، تواصل مراقبة عشرات المنشآت الإيرانية يومياً، في مشهد يعكس أمرين أساسيين:
أولاً، أن واشنطن تخشى مفاجأة إيرانية استراتيجية، سواء في الخليج أو في العراق أو عبر حلفاء طهران الإقليميين.
وثانياً، أن الولايات المتحدة لم تفقد الأمل في بناء بنك أهداف أوسع يمكن استخدامه في أي مواجهة مستقبلية، سواء كانت محدودة أو شاملة.
لكن هذا الحشد الاستخباري الهائل يكشف أيضاً حجم القلق الأميركي. فالدول الواثقة من سيطرتها لا تراقب خصومها بهذا الشكل المحموم. وما يجري يوحي بأن واشنطن باتت تدرك أن أي خطأ في الحسابات داخل الخليج قد يشعل حرباً لا يمكن ضبط حدودها.
فرنسا تدخل المشهد: البحث عن دور في زمن التحولات
التحرك الفرنسي عبر إرسال مجموعة حاملة الطائرات “شارل ديغول” نحو المنطقة بعد عبورها باب المندب ليس مجرد مساهمة رمزية. باريس تدرك أن الصراع على هرمز ليس عسكرياً فقط، بل صراع على النفوذ الدولي في مرحلة انتقالية كبرى.
لكن المفارقة أن فرنسا، التي تسعى إلى إثبات حضورها، تدخل إلى ساحة تهيمن عليها واشنطن عسكرياً، فيما تتراجع القدرة الأوروبية عموماً على فرض معادلات مستقلة. ولهذا يبدو الحضور الفرنسي أقرب إلى محاولة تسجيل موقف سياسي–استراتيجي أكثر منه قدرة فعلية على تغيير موازين القوى.
كما أن انخراط الأوروبيين في التصعيد البحري يطرح سؤالاً بالغ الخطورة: هل تتحول حماية خطوط الطاقة إلى ذريعة لتدويل المواجهة مع إيران بصورة أوسع؟ وإذا حصل ذلك، فإن الخليج قد يصبح ساحة احتكاك دولي مباشر، لا مجرد نزاع إقليمي محدود.
العراق بين النفوذ الأميركي والاختراق الصهيوني
في العراق، فجّرت التقارير الغربية حول قاعدة سرية في منطقة النخيب غرب البلاد أبعاداً جديدة للصراع. الحديث عن احتمال وجود نشاط صهيوني هناك، حتى مع إصرار بغداد على الطابع الأميركي للقاعدة، يعكس مدى تشابك الجغرافيا العراقية مع الحرب على إيران.
فالمنطقة الصحراوية الممتدة غرب العراق تمثل ممراً استراتيجياً بالغ الحساسية، ويمكن استخدامها كنقطة إسناد لوجستي أو استخباري في أي عمليات تستهدف إيران. بالنسبة للكيان الصهيوني، يشكّل هذا النوع من القواعد عمقاً احتياطياً مهماً في حال تعرضت خطوطه الجوية أو قواعده لضغوط أثناء أي مواجهة واسعة.
لكن الأخطر هو الانعكاس الداخلي العراقي. فمجرد تداول هذه المعلومات يضع الحكومة العراقية في موقف شديد الحرج، ويعيد إلى الواجهة السؤال القديم حول حجم الاختراق الأميركي–الصهيوني للمؤسسات والسيادة العراقية.
الكيان الصهيوني: جيش مُنهك وحرب استنزاف مفتوحة
بعيداً عن الخطاب الإعلامي المتضخم، بدأت المؤسسة العسكرية الصهيونية نفسها تعترف بحجم الأزمة الداخلية. تصريحات رئيس الأركان إيال زامير حول الحاجة العاجلة إلى آلاف المجندين، والضغط الهائل على القوات النظامية والاحتياط، وتراجع المعنويات، ليست تفصيلاً عابراً.
إنها اعتراف مباشر بأن الحرب المتعددة الجبهات بدأت تستنزف البنية البشرية للجيش الصهيوني.
فالكيان الذي بُني تاريخياً على فكرة “الحرب الخاطفة” يجد نفسه اليوم أمام استنزاف طويل الأمد: غزة، الحدود الشمالية، التوتر مع إيران، واحتمالات الانفجار الإقليمي الواسع. ومع كل شهر إضافي من المواجهة، تتآكل قدرة المجتمع الصهيوني على تحمّل التعبئة المستمرة.
ومن هنا عاد ملف “الحريديم” إلى الواجهة بقوة. فالمؤسسة العسكرية تدرك أن استمرار إعفاء عشرات الآلاف من الخدمة العسكرية أصبح عبئاً استراتيجياً، لا مجرد قضية اجتماعية داخلية. ومع ذلك، فإن فرض التجنيد على الحريديم قد يفجر أزمة سياسية داخلية تهدد تماسك الحكومة نفسها.
وهم “الاستقلال الدفاعي” الصهيوني
في خضم هذا المأزق، يحاول بنيامين نتنياهو الترويج لفكرة “الصناعة الدفاعية المستقلة” وتقليل الاعتماد على الدعم الأميركي. لكن الواقع العسكري يكشف حدود هذا الخطاب سريعاً.
فالركيزة الأساسية للقوة الصهيونية ما زالت سلاح الجو، والكيان لا يصنّع طائراته القتالية بنفسه، بل يعتمد بصورة شبه كاملة على التكنولوجيا والتمويل والإمداد الأميركي. وحتى منظومات الدفاع والتسليح المحلية مرتبطة عضوياً بالشبكة الغربية.
لذلك تبدو دعوات “الاستقلال” أقرب إلى خطاب موجّه للرأي العام الأميركي المتعب من تمويل الحروب الخارجية، لا مشروعاً حقيقياً قابلاً للتحقق في المدى المنظور.
غزة: الحرب التي لم تنتهِ
أما في غزة، فتستمر حرب الأنفاق بوصفها الكابوس الأكبر للجيش الصهيوني. الإعلان عن تدمير أربعة أنفاق جديدة جنوب القطاع لا يغيّر الحقيقة الأساسية: بعد أشهر طويلة من الحرب، ما زالت بنية المقاومة التحتية تعمل، وما زالت المعركة تتحول إلى استنزاف يومي للقوات المهاجمة.
لقد دخلت الحرب في غزة مرحلة تكشف حدود القوة العسكرية التقليدية أمام تنظيمات قادرة على القتال المرن وطويل النفس. وكل يوم إضافي من المعارك يضيف مزيداً من الضغط على الجيش والاقتصاد والمجتمع داخل الكيان.
المنطقة أمام لحظة تحوّل تاريخية
ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة بين واشنطن وطهران، بل لحظة إعادة تشكيل شاملة للمنطقة. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر نفطي، بل صار عنواناً للصراع على السيادة والنفوذ العالمي. والعراق لم يعد ساحة خلفية، بل خط تماس مفتوح. أما الكيان الصهيوني، الذي طالما قدّم نفسه كقوة لا تُقهر، فيواجه للمرة الأولى حرب استنزاف مركبة تكشف هشاشته البشرية والاستراتيجية.
في المقابل، تبدو إيران، رغم العقوبات والضغوط والحشود العسكرية، أكثر قدرة على فرض شروطها مما كان يتوقعه خصومها. وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي بالغ الدلالة.
فالشرق كله يقف اليوم على حافة معادلة جديدة: إما تثبيت نظام الهيمنة القديم بالقوة، أو ولادة توازنات إقليمية مختلفة تُفرض بالنار والاستنزاف والصمود الطويل.
د. نبيلة عفيف غصن
