في لحظةٍ نادرةٍ من التعرّي الأخلاقي، وقف جون سوينتون، أحد أبرز رجالات الصحافة الأمريكية ورئيس التحرير السابق في صحيفة نيويورك تايمز، لا ليُشيد بـ«حرية الصحافة» كما كان متوقعًا في نادي الصحافة بنيويورك، بل ليهدم المسرح كله دفعةً واحدة. لم يأتِ بخطابٍ عن النزاهة المهنية، ولا عن «سلطة الكلمة»، ولا عن «الديمقراطية الإعلامية» التي طالما تباهت بها الإمبراطورية الأمريكية، بل أطلق اعترافًا أشبه بانفجارٍ داخل معبد الأكاذيب نفسه. اعترافٌ يقول فيه، بلا مواربة: لا وجود لصحافة مستقلة. لا في أمريكا، ولا في قلب المؤسسات التي تدّعي أنها تصنع الحقيقة للعالم.
ما قاله سوينتون لم يكن زلّة لسان، بل شهادةَ شاهدٍ من أهل البلاط. رجلٌ جلس داخل غرفة المحرّكات الخفية، ورأى بأمّ عينه كيف تُصنع الأخبار كما تُصنع السلع، وكيف تتحول الحقيقة إلى بضاعةٍ تُقصّ وتُشوَّه وتُدفن وفق مصالح أصحاب المال والنفوذ. لم يتحدث عن «أخطاء إعلامية» عابرة، بل عن بنيةٍ كاملة قائمة على القمع المنهجي للحقيقة. صحفيون يُدفع لهم المال كي لا يقولوا ما يؤمنون به. كتّاب يعلمون مسبقًا أن الرأي الصادق لن يرى النور. مؤسساتٌ تُكافئ الكذب وتعاقب الضمير.
هنا تسقط كل الأقنعة دفعةً واحدة. فالإعلام الذي قدّم نفسه لقرون بوصفه «السلطة الرابعة» لم يكن، في كثيرٍ من الأحيان، سوى الذراع الناعمة للسلطة الأولى؛ ماكينة تلميع للحروب، وتخدير للشعوب، وإعادة تدوير للروايات التي يريدها أصحاب المصارف والشركات العملاقة ومراكز النفوذ العميقة. وحين قال سوينتون إن الصحفيين «دمىً تتحرك بخيوط الأثرياء خلف الستار»، فإنه لم يكن يصف حالةً فردية، بل يشرح جوهر النظام الإعلامي الحديث: المال يكتب، والإعلام يوقّع، والجماهير تبتلع.
إن أخطر ما في الإعلام المعاصر ليس الكذب المباشر، بل احتكار زاوية الرؤية. أن تُدفن الوقائع تحت سيلٍ من الضجيج الانتقائي. أن تتحول المجازر إلى «أضرار جانبية»، وأن يصبح المحتل «مدافعًا عن نفسه»، وأن يُصوَّر المقاوم كإرهابي بينما يُقدَّم القاتل على أنه حارس الحضارة. هذه ليست انحرافاتٍ عابرة، بل وظيفة بنيوية داخل منظومةٍ ترى في الوعي الحر خطرًا وجوديًا عليها.
ولذلك، فإن الإمبراطوريات لا تخاف من الجيوش بقدر ما تخاف من الوعي. لأن الرصاصة قد تُقتل فردًا، أما الحقيقة فتُوقظ أمة. لهذا تُنفق المليارات على شبكات الأخبار، وعلى جيوش المحللين، وعلى شركات العلاقات العامة، وعلى منصات التواصل التي تُعيد تشكيل الإدراك الجمعي كما لو كانت تُعيد برمجة العقول. الإعلام لم يعد ناقلًا للأحداث، بل صار مهندسًا للواقع نفسه؛ يقرر ما الذي يجب أن يُرى، وما الذي يجب أن يُنسى، ومن يستحق التعاطف، ومن يجب شيطنته.
وحين نراقب كيف تُغطّى الحروب في عالمنا اليوم، نفهم أن كلمات سوينتون لم تمت، بل ازدادت توحشًا. فالطفل الذي يُقتل في بلادٍ معينة يصبح رقمًا باردًا، بينما يتحول جرحٌ صغير في جغرافيا أخرى إلى قضية إنسانية كونية. الدم لم يعد يُقاس بإنسانيته، بل بموقعه السياسي داخل خريطة المصالح الدولية. حتى اللغة نفسها جرى احتلالها؛ الكلمات تُنتزع من معانيها الأصلية وتُعاد تعبئتها لخدمة القوة. الاحتلال يُسمى «نزاعًا»، والتطبيع يُسمى «سلامًا»، والخضوع يُسمى «واقعية»، والاستسلام يُسمى «اعتدالًا».
لكن اعتراف سوينتون يكشف أيضًا حقيقةً أخرى أكثر خطورة: أن كثيرًا من الصحفيين يعرفون ذلك جيدًا. يعرفون أنهم يُحرّفون. يعرفون أنهم ينتقون الحقائق وفق الطلب. يعرفون أن العناوين تُكتب أحيانًا في غرف السياسة لا في غرف التحرير. ومع ذلك يستمر العرض، لأن المنظومة لا تشتري الأقلام فقط، بل تشتري الخوف أيضًا. الخوف من الطرد، من العزل، من التشهير، من الجوع، من السقوط خارج «النادي». وهكذا تتحول الصحافة من رسالةٍ للبحث عن الحقيقة إلى وظيفةٍ لإدارة الأكاذيب بأناقة.
ولعل أكثر عبارةٍ صادمة في خطاب سوينتون كانت وصفه للصحفيين بأنهم «عاهرات فكريات». لم يكن يقصد الشتيمة المجانية، بل كان يصف عملية بيعٍ كاملة: بيع الضمير مقابل الراتب، وبيع الحقيقة مقابل الامتيازات، وبيع الأوطان مقابل القرب من السلطة. إنها قسوة التعبير التي توازي قسوة الواقع نفسه. لأن المثقف حين يتخلى عن دوره النقدي، ويتحول إلى مروّجٍ مأجور، يصبح أخطر من الجندي المرتزق؛ فالأول يقتل الجسد، أما الثاني فيقتل الوعي.
غير أن هذه الصورة القاتمة لا تعني الاستسلام، بل تعني ضرورة بناء وعيٍ نقدي لا يركع للشاشات. فالشعوب التي تستهلك الأخبار دون مساءلة تتحول تدريجيًا إلى جماهير مُدارة، تُقاد بالعناوين والصور والانفعالات المصنّعة. أما الأمة الحية فهي التي تفكك الخطاب، وتسأل دائمًا: من يملك المنصة؟ من يمول الرواية؟ من المستفيد من هذا التوقيت؟ ماذا أُخفي؟ وماذا سُمح لنا أن نرى فقط؟
لقد أصبح تحرير الوعي اليوم معركة سيادةٍ لا تقل أهمية عن تحرير الأرض. لأن الاحتلال يبدأ غالبًا من اللغة، ومن الصورة، ومن إعادة تعريف الحقائق داخل العقول. وما لم تمتلك الأمة إعلامها الحر، وروايتها المستقلة، وعقلها النقدي المقاوم، فستبقى تتلقى صورتها عن نفسها من أفواه خصومها.
كان جون سوينتون خطيرًا لأنه قال الحقيقة من داخل القصر، لا من خارجه. كشف أن كثيرًا من الصحافة العالمية ليس مرآةً للحقيقة، بل مرآةً للمال والقوة. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن أخطر استعمارٍ في العصر الحديث ليس احتلال الأرض فقط، بل احتلال الإدراك نفسه.
د.نبيلة عفيف غصن
د.نبيلة عفيف غصن
