بتول علوش: حين تُختطف الكرامة قبل الجسد

يا أهل الشرق، يا أصحاب الضمير، يا من تعرفون حرمة الدمعة وكرامة البنت…

بتول سليمان علوش، طالبة الطب التقني، لم تخرج من بيت أهلها. خرجت من المكان الذي كان يفترض أن يكون أمانها الثاني: السكن الجامعي. خرجت، ثم اختفت. قلب أهلها الأرض بحثاً عنها. طرقوا أبواب الأمن والجامعة. طالبوا بتسجيلات الكاميرات. فكان الجواب: جدار من الصمت والرفض. كأن الحقيقة جريمة، وكأن رؤية الوجع ممنوعة.

ثم ظهرت بتول. لا في حضن أمها، بل في مقطع مصوّر. تتحدث عن “ضغوطات” دفعتها لـ”الهجرة في سبيل الله”. أي ضغوطات؟ عن أي مجتمع يتحدثون؟

من يعرف العلويين يعرف المرأة فيهم. ليست ضعيفة ولا مقهورة. هي شريكة، صاحبة قرار، سيدة بيتها وحياتها. لا تُزوّج غصباً، ولا تُعامل كجارية. المرأة العلوية تُحاط بالاحترام قبل الحب، وهي عمود الخيمة وسر قوتها. تُنجب الرجال وتربّي القيم. فكيف يُقال إن علوية “مضغوطة” حتى تهرب؟ هذا كذب على التاريخ، وافتراء على مجتمع كامل.

والأقبح من الكذبة تبريرها. أن يُقال إنها “أسلمت”! وكأن العلويين كانوا يوماً خارج الإسلام. العلويون عشقوا علي بن أبي طالب حتى رموهم بالغلو. يصلّون ويصومون ويحجّون. يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أخلاقهم هي أخلاق محمد، وبساطتهم هي بساطة الإسلام الأول. من أراد أن يرى الإسلام بلا أقنعة، فليزر قرى الجبال. هناك يجد الدين سلوكاً لا شعاراً، وحياةً لا نصوصاً محرّفة. هناك الإسلام نابض في إكرم الضيف، في نجدة الملهوف، في صون العرض. ليس في إخراج ركيك لخاطف يلقّن ضحيته ما تقول.

العلويون لم يكونوا على هامش الإسلام. كانوا في قلبه. في محبته، في زهده، في صدقه. من شكّ فليجالسهم، فليأكل خبزهم وملحهم، وسيرى أن الدين عندهم معاملة قبل أن يكون عبادة.

بتول ليست حكاية بنت. بتول جرح مفتوح في صدر مجتمع. هي صرخة في وجه من يتاجر بالعقول ويستبيح الكرامات. هي دليل حي على محاولات تشويه طائفة عُرفت بالشرف والإنسانية قبل أن تُعرف بالسلاح.

بتول ليست رقماً في تقارير منظمات صامتة. ومهما حاولوا التعتيم على خطف البنات، ومهما حاولوا إخفاء سوق السبايا في إدلب، لن يحجبوا الشمس بغربال. الحقيقة أكبر من كاميراتهم المطفأة، وأعلى من صوت جلاديهم.

وهنا، كلمة لا بد منها للحكومة الجولانية ومن يقف خلفها:
كفّوا أذاكم عن العلويين. إن نهض هذا المجتمع من جرحه، لن تقوم لكم قائمة. التاريخ لا ينسى، والجبال لا تنحني. اتعظوا قبل أن يفوت الأوان. فالكرامة إذا جُرحت، لا تداويها الاعتذارات.

محمود_موالدي