حين يتهيأ الانفجار: هدوءٌ كاذب على حافة حربٍ تُطبخ ببطء
د.نبيلة عفيف غصن
في مطلع أيار 2026، لا يبدو الإقليم هادئاً كما تحاول بعض العواصم تسويقه، بل أقرب إلى مسرحٍ مشدود الأعصاب، حيث تختبئ النيران تحت رماد “التهدئة”. هذا ليس سلاماً، بل إدارة دقيقة لحافة الهاوية. فالمشهد القائم لا يعكس تراجعاً في احتمالات المواجهة، بل انتقالاً إلى طورٍ أكثر تعقيداً: طور الاستنزاف الاستراتيجي، حيث تُخاض الحروب بلا إعلان، وتُبنى المعارك القادمة بصمتٍ بارد، وتُستنزف القدرات ببطءٍ قاتل.
في هذا السياق، تتداخل السياسة بالقانون، والعسكر بالاقتصاد، والإعلام بالواقع الميداني، لتشكّل لوحة جيوسياسية مشحونة، لا يمكن قراءتها إلا كتمهيدٍ لصدامٍ أكبر، أو كعملية عضّ أصابع طويلة بانتظار لحظة الكسر.
الالتفاف الأمريكي: قانون يُكسر تحت ضغط الحرب
في واشنطن، لا تُدار المعركة فقط في الميدان، بل أيضاً في دهاليز القانون. الإدارة الأمريكية تسعى بوضوح إلى تجاوز قيود “قانون صلاحيات الحرب”، عبر تفصيل مبررات قانونية تُبقي يد الرئيس طليقة في إدارة العمليات العسكرية بعد مهلة الستين يوماً، دون العودة إلى الكونغرس.
هذا السلوك لا يعكس مجرد خلاف دستوري، بل يكشف عن ذهنية استعجال استراتيجي. فحين تُكسر القوانين، فهذا يعني أن القرار بالحرب – أو بما يشبهها – قد اتُخذ فعلياً، وما يجري هو فقط تهيئة الأرضية الشكلية.
وتتجلى هذه الذهنية في صفقات التسليح الضخمة التي تجاوزت 8.6 مليار دولار، والموجهة إلى الكيان الصهيوني ودول الخليج كقطر والكويت والإمارات. هذه الصفقات ليست مجرد دعم لحلفاء، بل هي عملية إعادة تعبئة عسكرية سريعة لتعويض استنزاف سابق، واستعداد لمواجهة يُتوقع أن تكون أكثر كثافة وتعقيداً.
أما تجاوز المراجعات البرلمانية التقليدية، فيحمل دلالة أخطر: أن الوقت لم يعد ترفاً. هناك شيء ما يُحضَّر، وهناك إدراك بأن المواجهة القادمة – إن وقعت – لن تحتمل التأخير.
مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح
صور الأقمار الصناعية تكذّب الرواية السياسية الأمريكية، وتُظهر استمرار حضور “بحرية الحرس الثوري” وقدرتها على فرض معادلة ردع غير تقليدية. هنا، لا تُخاض الحرب بالمدمرات العملاقة، بل بـ تكتيك “البعوض”: زوارق صغيرة، سريعة، مبعثرة، يصعب رصدها أو القضاء عليها بالكامل.
هذا النوع من الحروب يعيد تعريف القوة. فليست السيطرة لمن يمتلك التكنولوجيا الأضخم فقط، بل لمن يستطيع تعطيل خصمه بأدوات غير متكافئة. ومن هنا، يبقى المضيق نقطة اختناق عالمية يمكن لطهران استخدامها في أي لحظة، ليس لتحقيق نصر عسكري مباشر، بل لرفع كلفة الحرب إلى مستويات غير محتملة.
لبنان: ساحة التعويض وميزان الردع
في الجنوب اللبناني، يتخذ الصراع شكلاً أكثر وضوحاً، وأكثر قسوة. الغارات الإسرائيلية المكثفة، خصوصاً على المناطق المدنية، لا يمكن فصلها عن سياق التعويض المعنوي عن الإخفاقات الميدانية التي تتعرض لها الوحدات البرية.
حين يعجز الجيش عن تحقيق إنجاز حاسم في الميدان، يلجأ إلى القصف المكثف كأداة لإعادة ترميم صورته. لكن هذا الخيار، رغم عنفه، لا يغيّر في المعادلة الاستراتيجية.
فحزب الله، رغم الضغط، لا يزال يحتفظ بقدرات صاروخية ودفاعية فاعلة، بل وذهب أبعد من ذلك عبر التلويح بتهديد سلاح الجو الإسرائيلي نفسه. وهذا تطور بالغ الدلالة، لأنه يمسّ أحد أهم عناصر التفوق العسكري التقليدي.
ما نشهده هنا ليس انهياراً، بل توازن ردع متوتر، حيث يدرك كل طرف أن الذهاب بعيداً قد يشعل حرباً لا يمكن السيطرة عليها. ومع ذلك، تستمر الاشتباكات، وكأن الجميع يختبر حدود الآخر، دون أن يجرؤ على كسرها بالكامل.
سوريا الشام وإيران: الداخل المأزوم كجبهة موازية
بعيداً عن خطوط النار المباشرة، تتشكل جبهات لا تقل خطورة داخل كل من سوريا الشام وإيران.
في سوريا الشام، يواجه حكم الجولاني تحديات داخلية متصاعدة. الفصائل الراديكالية التي كانت جزءاً من منظومة السيطرة بدأت تتمرد على القيود الجديدة، ما يكشف هشاشة البنية الأمنية. هذا التفكك المحتمل لا يهدد فقط الاستقرار المحلي، بل يفتح الباب أمام إعادة خلط الأوراق في منطقة شديدة الحساسية.
أما في إيران، فالمعضلة تأخذ طابعاً مختلفاً. التشدد في ضبط الفضاء الرقمي، وفرض قيود صارمة على الإنترنت، يعكس قلقاً عميقاً من الجبهة الداخلية. فالدولة التي تستعد لمواجهة خارجية تحتاج إلى تماسك داخلي، لكن الضغوط الاقتصادية والمعيشية تجعل هذا التماسك أكثر هشاشة.
تعتمد القيادة على ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الحرب”، أي إعادة توجيه الموارد وتحمل الأعباء تحت شعار المواجهة. لكن هذا الخيار له حدود. فحين تصل الأعباء إلى حياة الناس اليومية، يتحول الصبر إلى سؤال، والسؤال إلى ضغط.
خليج عدن: الفوضى التي تتسلل من الهامش
في زاوية تبدو بعيدة عن مركز الصراع، يعود شبح القرصنة في خليج عدن، ليس كظاهرة معزولة، بل كنتيجة مباشرة لإعادة توزيع القوى البحرية الدولية.
انشغال الأساطيل الكبرى بمراقبة الممرات القريبة من إيران خلق فراغاً أمنياً استغله القراصنة الصوماليون، كما ظهر في حادثة اختطاف ناقلة النفط “إيوريكا”. هذا التطور يذكّر بأن الحروب الكبرى لا تستهلك الجبهات الرئيسية فقط، بل تفتح ثغرات في أماكن أخرى.
وهنا، تتحول التجارة العالمية نفسها إلى ساحة استنزاف، حيث ترتفع كلفة النقل والتأمين، وتتوسع دائرة التأثير الاقتصادي للصراع، حتى في المناطق التي لا تشهد إطلاق نار مباشر.
الخلاصة: دبلوماسية القسر أم مقدمة الانفجار؟
ما يتشكل أمامنا ليس مجرد توتر عابر، بل منظومة صراع كاملة تُدار بأدوات متعددة: قانونية، عسكرية، اقتصادية، وإعلامية. واشنطن والكيان الصهيوني يدفعان نحو فرض واقع جديد عبر التسليح السريع وتجاوز القيود، فيما ترد إيران وحلفاؤها عبر حروب استنزاف موزعة على الجغرافيا.
لكن السؤال الأهم ليس ماذا يجري الآن، بل إلى أين يقود هذا المسار؟
نحن أمام لحظة تاريخية دقيقة: إما أن تنجح هذه السياسات في فرض توازن ردع جديد يؤجل الانفجار، أو أنها تمهّد – من حيث تدري أو لا تدري – لصدام مباشر سيكون أكثر كلفة واتساعاً من كل ما سبقه.
وهكذا، يبقى الإقليم معلقاً بين نارين:
نار الحرب التي لم تبدأ بعد…
ونار الاستنزاف التي لا تنتهي.
