بقلم:د.نبيلة عفيف غصن
مقدمة: الفجر الكاذب وزيف الأقنعة
في لحظات الانحدار التاريخي، لا تسقط الأنظمة وحدها، بل تسقط معها الأقنعة التي طالما ادّعت النقاء. نحن لا نعيش أزمة سياسية عابرة، بل نشهد تفكك منظومة كاملة من المعاني، حيث يُعاد تعريف الحق والباطل وفق ميزان التمويل لا ميزان الحقيقة. في هذا المشهد، تطفو إلى السطح فئة من الكتّاب والمنصات التي نصّبت نفسها حارسةً للحداثة والعقلانية، لكنها في الواقع لم تكن سوى أدوات ناعمة في مشروع تفكيك الوعي وإعادة تشكيله.
إن ما يُقدَّم لنا اليوم تحت عنوان “نقد” أو “تحليل” ليس إلا محاولة مكشوفة لتدوير الزوايا الحادة للاستعمار، وتقديمه في صورة قابلة للهضم. فالمشكلة لم تعد في الجريمة نفسها، بل في “صورة” الجريمة. ولم يعد السؤال: كيف نواجه الظلم؟ بل: كيف نجعله أقل إزعاجاً للضمير؟ هنا تبدأ “الليبرالية المتوحشة” عملها الحقيقي: لا كفلسفة حرية، بل كأداة تبرير وانحلال، تمهّد الطريق أمام كل أشكال الهيمنة، السياسية منها والقيمية.
حازم الأمين ووهم “التحدي الأخلاقي”
في هذا السياق، يبرز خطاب حازم الأمين كنموذج فاقع لهذا الانزلاق. حين يتحدث عن “تحدٍ أخلاقي” تمثّله شخصية مصرفية لبنانية في وجه الصهيونية، فإننا لا نكون أمام تحليل بقدر ما نكون أمام قلبٍ فجٍّ للمعايير. كيف يمكن اختزال منظومة استعمارية كاملة، قامت على الاقتلاع والإحلال، إلى كيان قابل لأن “تُخدش سمعته” بفعل فساد فردي؟
إن هذا الطرح لا يعكس فقط خللاً في التقدير، بل يكشف عن بنية فكرية ترى في الاستعمار كياناً قابلاً للإصلاح، لا مشروعاً يجب تفكيكه. فالمقارنة بين فساد مصرفي وبين منظومة قائمة على نفي شعب بأكمله، ليست مجرد مبالغة، بل هي إعادة صياغة للواقع بما يخدم تمييع الجريمة الأصلية. وهنا يكمن الخطر: حين يتحول الجلاد إلى ضحية محتملة، وتصبح الضحية تفصيلاً يمكن تجاوزه.
“الصهيونية الطيبة”: كذبة الليبراليين العرب الجدد
يتكامل هذا الخطاب مع محاولة أوسع لترويج فكرة “الصهيونية القابلة للنقد الداخلي”، أو ما يمكن تسميته بـ”الصهيونية الطيبة”. يتم استحضار أسماء تُقدَّم كأصوات نقدية داخل هذا الكيان، بهدف خلق انطباع بوجود تمايز أخلاقي داخله. غير أن هذا التمايز، حتى لو وُجد على مستوى الأفراد، لا يغيّر من طبيعة المشروع نفسه.
المشكلة هنا ليست في نقد هذه الأطروحات، بل في توظيفها سياسياً وإعلامياً لتليين صورة منظومة استعمارية. إذ يجري الانتقال من رفض المبدأ إلى نقاش التفاصيل، ومن مواجهة الجذر إلى الانشغال بالفروع. وهكذا، يصبح الاستعمار “وجهة نظر”، ويغدو النقاش حوله جزءاً من “التعددية”، بدل أن يكون موقفاً مبدئياً لا يقبل المساومة.
النظام الموازي: بين نهب المودعين وازدواجية الخطاب
في موازاة ذلك، يعلو الصوت حول قضايا الفساد المالي ونهب أموال المودعين، وهو صوت محق في تشخيص المأساة. لكن الإشكالية تظهر حين يُفصل هذا الفساد عن السياق البنيوي الذي أنتجه. فالنظام المالي الذي سمح بتراكم الثروات على حساب الناس، لم يكن حادثة عرضية، بل نتيجة مباشرة لخيارات اقتصادية وسياسية رُوّج لها طويلاً تحت شعارات الانفتاح والليبرالية.
إن انتقاد “الأدوات” دون المساس بـ”المنظومة” يشبه معالجة الأعراض وترك المرض. والأسوأ من ذلك، أن بعض من يتصدرون هذا النقد كانوا أنفسهم جزءاً من الترويج لتلك السياسات، قبل أن ينقلبوا عليها بعد انهيارها. هنا تتجلى الازدواجية بأوضح صورها: إدانة النتائج مع التمسك بالأسباب.
إقحام المقاومة: “اللازمة” التي تكشف الإفلاس
ولا يكتمل هذا المشهد دون استحضار “اللازمة” المعتادة: تحميل قوى المقاومة مسؤولية كل اختلال داخلي. يُطرح السؤال بطريقة توحي بأن هذه القوى مطالبة بإدارة كل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية، وإلا فهي مقصّرة. هذا الطرح يتجاهل عمداً طبيعة الصراع الذي تخوضه هذه القوى، كما يتجاهل التناقض البنيوي بينها وبين النظام الاقتصادي القائم.
إن تحويل المقاومة إلى شماعة لتعليق الأزمات، لا يخدم سوى صرف النظر عن المسؤوليات الفعلية، وتفريغ النقاش من مضمونه الحقيقي. وهو في جوهره تعبير عن عجز في تقديم بدائل حقيقية، فيُستعاض عن ذلك بإلقاء اللوم على طرف خارج المعادلة الاقتصادية أساساً.
الهدم القيمي: بين الحرية والفوضى
يمتد هذا الخطاب إلى المجال القيمي، حيث تُطرح قضايا اجتماعية حساسة تحت عنوان “الحريات الفردية”، لكن غالباً دون نقاش عميق لتداعياتها أو لسياقها الثقافي. إن أي مجتمع يحتاج إلى موازنة دقيقة بين الحرية والمسؤولية، وبين حقوق الفرد وتماسك الجماعة. غير أن الطرح السائد في بعض المنصات يتجه نحو تفكيك هذه المعادلة، عبر تقديم الحرية كقيمة مطلقة منفصلة عن أي إطار اجتماعي أو أخلاقي.
النقاش في هذه القضايا مشروع وضروري، لكن اختزاله في شعارات، أو استخدامه كأداة صدامية مع البنية الاجتماعية، يحوّله من مساحة حوار إلى أداة استقطاب. وهنا، يصبح “التحرر” غطاءً لفوضى مفاهيمية، لا تسهم في تطوير المجتمع بقدر ما تعمّق انقساماته.
دولارات التمويل وعمى البصيرة
لا يمكن فصل كل ما سبق عن مسألة التمويل، ليس بوصفها تهمة جاهزة، بل كعامل مؤثر في توجيه الأولويات والخطاب. فالمنصات الإعلامية، كغيرها من المؤسسات، تعمل ضمن شبكات دعم تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على ما يُنشر وكيف يُقدَّم. وعندما تتقاطع هذه الشبكات مع أجندات سياسية دولية، يصبح من المشروع التساؤل عن حدود الاستقلالية.
المشكلة لا تكمن فقط في مصدر التمويل، بل في غياب الشفافية حوله، وفي استخدام خطاب “الحياد” لتغطية انحيازات واضحة. وهكذا، يتحول النقد إلى انتقائية، والموضوعية إلى أداة تجميل، ويُعاد تشكيل الوعي العام بما يتناسب مع مصالح لا تُعلن صراحة.
خاتمة: نحو وعي نهضوي يستعيد المعايير
أمام هذا المشهد المتشابك، لا يكفي الرفض العاطفي، بل يتطلب الأمر بناء وعي نقدي قادر على تفكيك الخطاب وكشف تناقضاته. إن النهضة التي يُمكن التعويل عليها ليست تلك التي تكتفي برفع الشعارات، بل التي تعيد ترتيب الأولويات: من وضوح الموقف من الاستعمار، إلى نقد جذري للمنظومات الاقتصادية والسياسية التي أنتجت الأزمات، وصولاً إلى نقاش قيمي متوازن لا يسقط في فخ الشعارات.
المعركة اليوم هي معركة تعريف: تعريف العدالة، الحرية، والكرامة. وهي معركة طويلة، لا تُحسم بمقال أو خطاب، بل بتراكم وعي جمعي يرفض التبسيط والتضليل. وفي هذا المسار، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نملك الشجاعة لإعادة النظر في كل ما قُدّم لنا كمسلمات، أم سنبقى ندور في حلقة إعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة؟
ما هو مؤكد أن الشعوب، مهما طال الزمن، تمتلك قدرة على التمييز بين الحقيقة وزيفها. وحين تتراكم الأسئلة، وتسقط الإجابات الجاهزة، يبدأ المسار الحقيقي لأي نهضة.
