تحولات الاقطاب

لم تشهد منطقة شرق المتوسّط أو غرب آسيا، منذ حرب أكتوبر 1973، مواجهة مثل التي تعيشها بفعل العدوان الأمريكي الصهيوني، هذه الأيام.

إن كان من خلاصة أولى واستنتاج سريع، يمكن الجزم أنّ القوى الاستعماريّة، ليس فقط عاجزة كلّ العجز عن تأمين ما تدّعي من «حماية» للدول التي فرّطت في سيادتها عندما مكّنت الولايات المتحدة خاصة من قواعد عسكريّة على أراضيها، بل ثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ، أنّ الطرف الأمريكي عاجز عن تأمين ما جاء من أجله، وما قامت عليه المعاهدات مع البلدان المنضوية تحت التحلفات، بل تحوّل «حاميها» إلى خطر مباشر، حين أصبحت هذه الدول تعمل على ضرب استقرار دول الجوار وشرّعت الولايات المتحدة للكيان الصهيوني قصف الدوحة عاصمة إمارة قطر.

تحوّلت مواجهة إيران إلى مأزق لأمريكا، في الوقت الذي تتحضّر فيه واشنطن لثلاثة استحقاقات قادمة: انتخابات النصف، واحتفالات ذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة، وكأس العالم. ولا تزال المعركة مفتوحة، فلا استراتيجية واضحة لخروج اليانكي منها. لتتفاقم الحيرة بين صفوف النخبة الصانعة للقرار السياسي، وعلى رأسها ترامب، بين انسحاب مقابل مواصلة مكلفة تقدر بملياري دولار عن كل يوم من حضورهم الكبير في المنطقة.

كما يرى خبراء، أنّ أمريكا بين خيار القبول بالهزيمة، و إعلان انتصار مزيف، أو توجيه ضربة خلال المدة القانونية المتبقية لترامب التي أقرّتها إدارته لنفسه، لخنق اقتصاد إيران بتدمير منابعها، وقطع الطريق على نفط الصين، لتدخل الأسواق العالمية في حالة من الفوضى والارتباك.

ثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ جانباً غير هين من ممثلي الشعب الأمريكي من الغرفتين، رافض أو بالأحرى معارض لخيار الذهاب إلى الحرب، وكذلك غير راضٍ البتّة عن أداء السلطة التنفيذيّة، التي صارت مختصرة في بيانات و«شطحات» ينشرها الرئيس على وسائل التواصل.

عديد الجهات أشارت مستندة إلى توجهات البورصات إلى استفادة «جهات» بعينها من هذا التراوج بين الوعد بحلول السلام والتهديد بالتدمير الشامل، حين يتم اقتناء النفط عند هبوطه وإعادة بيعه عند بلوغه أقصى قيمته.

أوروبا التي نافقت ترامب للانسلاخ من أزمة غيرليند، قبل دخوله المعركة كانت تتمنى أن ينتصر اليانكي، ليعطي دفعة معنوية للجبهة الأوكرانية المنهارة. ومع ظهور نتائج الحرب الأولى، أصبحوا يقولون إنّ الأمريكي تورّط في حربه، ولا يوجد لديه استراتيجية للخروج منها، بعد أن أذلّه الإيراني.

يقف العالم أمام إعادة توزيع أوراق النفوذ من جديد، بدءاً بالتصدّع الذي أصاب «حلف الشمال الأطلسي»، حين ظهر الرئيس الأمريكي يستجدي دخول الحلف لتأمين مرور السفن عبر المضيق، ليصدر رفض المشاركة في «حربه» الشخصية على إيران.

في الضفة الأخرى، ما كشفت عنه تقارير غربية أن الدبلوماسية الروسية تُجري حالياً اتصالات رفيعة مع عواصم المنطقة (الرياض، أبوظبي، طهران، وإسلام آباد) لإحياء فكرة ميثاق الأمن الإقليمي، في محاولة لسحب بساط الوصاية من تحت أقدام واشنطن. هذا الطرح لن ينجح لأن المنطقة أصبحت في حاجة لمشروع أكبر من امتصاص صدمة الحرب، لأطراف تتعارض في الأهداف وتتخندق في مربعات النقيض للمواجهة.

لا أحد ممّن يملكون قدرة على التحليل المنهجي يرفض الاعتراف بهزيمة الولايات المتحدة، في تراوح بين الإقرار بتراجع الدور الأمريكي في المنطقة، مرفوداً بالحاجة إلى إقامة منظومة تجمع دول المنطقة، دون أدنى حضور للقوى الاستعماريّة، من أجل صياغة ميثاق يضمن الأمن وبالتالي السلام في المنطقة على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

تدير إيران الآن ساعة المعركة كما تستطيع، وتعزف على أوتار النتيجة لاستباق الغير، من اختطاف المنطقة بعد الإعصار الأخير. لتبقى أمريكا العاجزة عن إيران، لن تستطيع منع ما ستفرزه ساحة الشرق الأوسط وغرب آسيا الجديد.

قبل الحرب، كان الحديث عن قطبين: أمريكي وصيني، وانتقل الكلام الآن عن تعدد الأقطاب. فإسبانيا تحرّكت في جغرافيا أمريكا اللاتينية بسرعة الأحداث، والهند استوعبت الدرس وبدأت تبحث عن شركاء، وأفريقيا السمراء تعمل على تحفيزها روسيا لهذا الهدف. وكلها مؤشرات توحي أن العالم ما بعد حرب إيران ليس كما قبلها، وأن أقطاباً تتحضّر لتعلن عن حضورها في القادم مع انحصار الأمريكي.

إن ورطة حرب إيران حوّلت تعدد الأقطاب أمراً واقعاً معايناً، وفي انتظار بلورة الجديد، في جغرافيا امتداد التاريخ للحضارات، لشعوب غنية بالثروات الطبيعية والديموغرافية، الجميع ينتظر ولادة قيصرية لقطب فرضته ضرورة الأحداث وتغيرات الزمن.

كان كلام الأمس لأردوغان عن حاجة المنطقة لقوة إقليمية تفرض الأمن والسلام، فيه إشارة استباقية للنتائج المنتظرة من الحرب الأخيرة.

كما كان تفاعل باكستان ودخولها على الخط منذ اندلاع الأزمة يوحي بنفس الأجواء، ويتوقع من حصول هذا التكتل اصطفاف ليشمل مصر والسعودية وبعض الدول العربية، ليخلق مساحة جغرافية كبيرة وكتلة ديموغرافية لا يستهان بها، ستتجاوز 500 مليون نسمة. وهو من أهم نتائج الوعد الصادق إن حصل.

إن إيران فتحت باب الحاجة لهذا القطب، ومهّدت الطريق، ما يفصلنا عن إعلانه هو قرار حاسم من باكستان وتركيا. كان رهان طهران صائباً حين عملت على هذا المشروع منذ 46 سنة وتركت الأحداث تتبلور لتفرز لنا هذه النتيجة. ليبقى السؤال الأكبر: متى سيتبلور هذا القطب؟ وهل لنا استطاعة تحمل لحجم هذه المسؤولية؟

صارت إيران تحتلّ مكانة متميّزة، حين لا يمكن تصنيفها بين «الدول العظمى» وفق التعريف القائم (أي امتلاك السلاح النووي وحيازة حق النقض في مجلس الأمن). كذلك لم يعد من الممكن اعتبار إيران مجرّد «قوّة إقليميّة» مثلما هو حال القوى الإقليميّة الأخرى، مهما كانت نتائج هذه الحرب. من قال لا للشيطان الأكبر، وقلب الموازين في حربين، قادر على افتكاك ما هو أعظم.

حسن بن عمارة