لم تعد منطقتنا تعيش على هامش التاريخ، ولا تعود إلى مقاعد الانتظار كلما اشتدت العواصف الدولية. ما يجري اليوم هو انتقال فعلي من زمن الإملاءات إلى زمن كسر الإملاءات، من مرحلة كانت فيها القرارات تُستورد جاهزة إلى مرحلة تُصاغ فيها الإرادات من قلب الميدان. نحن أمام لحظة فاصلة تُعاد فيها كتابة قواعد الاشتباك السياسي والعسكري، وتُختبر فيها قدرة الشعوب على تحويل الصمود إلى مشروع.
إن ما يبدو للبعض مجرد تصعيد سياسي أو تبادل رسائل، هو في جوهره صراع على تعريف السيادة نفسها: هل هي امتياز تمنحه القوى الكبرى، أم حق يُنتزع ويُحمى؟ هنا تحديداً تبدأ الحكاية الحقيقية.
سقوط عصر “الشروط المسبقة”
لسنوات طويلة، اعتمدت واشنطن وحلفاؤها سياسة الضغط المركّب: حصار اقتصادي، تهديد عسكري، وحروب نفسية تهدف إلى كسر الإرادة قبل كسر القدرات. لكن المعادلة لم تعد تعمل كما في السابق. ما نشهده اليوم هو رفض واضح للدخول في أي مسار تفاوضي تحت سقف التهديد، ورفض أعمق لتحويل السيادة إلى ورقة مساومة.
هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً في إدارة الأزمات، بل هو انقلاب في الذهنية السياسية. حين تُقابل الضغوط القصوى بثبات أعصاب، وحين يُجاب على التهديد بالتجاهل أو الرد المدروس، تفقد أدوات الهيمنة فعاليتها تدريجياً. وهنا يبدأ التآكل الحقيقي في صورة “القوة التي لا تُرد”.
لم يعد السؤال: ماذا تريد القوى الكبرى؟ بل: ما الذي تستطيع فرضه فعلاً؟ والفارق بين السؤالين هو الفارق بين زمنين.
من التفكك إلى وحدة المصير
في قلب هذا التحول، تبرز حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها: المنطقة لم تعد جزرًا معزولة سياسياً أو أمنياً. ما يجري في الخليج يرتبط بما يحدث على شواطئ المتوسط، وما يُرسم في العواصم الكبرى يُختبر صداه في ساحات متعددة.
هذه ليست “محاور” بالمعنى التقليدي، بل شبكة مصالح وتقاطعات تفرض نوعاً من وحدة المصير، حيث يصبح أي اعتداء في نقطة ما محفزاً لإعادة حسابات في نقاط أخرى. هنا تتشكل معادلة الردع الشامل، لا بوصفها استعراض قوة، بل كآلية لمنع الانزلاق إلى حروب كبرى.
القوة في هذا السياق لم تعد فقط في امتلاك السلاح، بل في القدرة على تنسيق القرار، وضبط الإيقاع، واختيار التوقيت. إنها قوة مركبة: عسكرية، سياسية، ونفسية في آن واحد.
الميدان يعيد تعريف السياسة
في المراحل السابقة، كانت الدبلوماسية غالباً ما تتقدم على الميدان، أو تُستخدم لتكريس نتائج تُفرض بالقوة. أما اليوم، فالمعادلة تنقلب: الميدان هو الذي يرسم حدود الدبلوماسية، ويحدد سقفها.
الرسالة التي تُفرض تدريجياً هي أن الأمن لا يُشترى بالضغوط، ولا يُفرض بالإملاءات، بل يُبنى على توازن واضح في الكلفة. من يريد الاستقرار عليه أن يعترف بحدود قوته، وأن يدرك أن أي مغامرة ستكون مكلفة بما يفوق قدرتها على الاحتمال.
هذا التحول لا يعني غياب السياسة، بل إعادة تعريفها. السياسة لم تعد فن التنازل، بل فن إدارة القوة. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يُساوم على موقعه، ومن يفاوض انطلاقاً من موقع ثابت.
لبنان بين فكيّ التسويات والردع
في قلب هذه العاصفة، يقف لبنان كنموذج مكثف لكل التناقضات: بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية خانقة، وفي الوقت نفسه يشكل جزءاً من معادلة ردع إقليمية معقدة.
المعضلة هنا ليست فقط في الضغوط الخارجية، بل في كيفية إدارة الداخل لهذه اللحظة. فإما أن يتحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو أن يستفيد من معادلة الردع لحماية ما تبقى من سيادته وإعادة بناء قراره الوطني.
الرهان الحقيقي ليس على الخارج، بل على القدرة الداخلية في إنتاج رؤية سيادية متماسكة، تفصل بين ما هو تفاوضي وما هو غير قابل للمساومة. فالدول لا تُحمى بالشعارات، بل ببناء توازن دقيق بين القوة والسياسة، بين الصمود والإصلاح.
انكسار الهيبة وصعود الندية
من أبرز ملامح المرحلة الراهنة، تراجع “هيبة القوة” التي كانت تُستخدم كأداة ردع نفسي قبل أن تكون عسكرياً. حين تُطلق التهديدات ولا تُترجم، وحين تُرسم الخطوط الحمراء ويتم تجاوزها دون رد حاسم، تبدأ صورة القوة بالتآكل.
في المقابل، تنشأ حالة جديدة من الندية في التعامل مع القوى الكبرى. هذه الندية لا تعني التكافؤ الكامل، بل تعني كسر الاحتكار: احتكار القرار، واحتكار المبادرة، واحتكار تعريف الشرعية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة بالنسبة للنظام الدولي التقليدي: ليس في صعود قوة بديلة واحدة، بل في انتشار حالات الرفض التي تجعل من فرض الإرادة عملية أكثر تعقيداً وكلفة.
من الوعي إلى الفعل
النهضة التي تلوح في الأفق لا تُقاس بعدد الصواريخ ولا بحجم الترسانات، بل بمدى التحول في وعي الشعوب. حين يدرك الإنسان في هذه المنطقة أن الضعف ليس قدراً، وأن التبعية ليست حتمية، يبدأ التغيير الحقيقي.
هذا الوعي هو الذي يحوّل الصمود من حالة دفاعية إلى مشروع، ومن رد فعل إلى فعل مؤسس. وهو الذي يفرض على النخب السياسية إعادة التفكير في دورها: هل هي وسيط بين الخارج والداخل، أم ممثل لإرادة داخلية تسعى إلى الاستقلال الفعلي؟
هذه ليست شعارات، بل مسار طويل يبدأ بتحرير القرار، ويمر بإعادة بناء الدولة، وينتهي بإنتاج نموذج قادر على الصمود والتأثير.
الفجر الذي يُصنع ولا يُنتظر
ما نشهده اليوم ليس نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تختلط السياسة بالقوة، والاقتصاد بالأمن، والإرادة بالقدرة. لا أحد يملك ترف الحياد، ولا أحد يستطيع الهروب من تداعيات هذا التحول.
التاريخ لا يُكتب لمن ينتظر، بل لمن يفرض حضوره في اللحظة المناسبة. والمنطقة اليوم أمام خيار واضح: إما أن تبقى ساحة تُدار من الخارج، أو أن تتحول إلى فاعل يشارك في رسم قواعد اللعبة.
الفجر لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُصنع بإرادة تعرف ماذا تريد، وبقوة تعرف كيف تحمي ما تريد. وفي زمن كهذا، لا مكان للرماديين؛ فإما موقع يُصان، أو موقع يُفقد.
إنها لحظة اختبار، لا للشعوب فقط، بل للأنظمة والنخب وكل من يدّعي تمثيل هذه المنطقة. ومن ينجح في هذا الاختبار، لن يكتفي بالبقاء، بل سيشارك في صناعة العالم الذي يتشكل الآن.

د.نبيلة عفيف غصن