مقدمة: إرادة الحياة في وجه مشروع العدم
ما يدركه كل حرّ في هذه الأرض ليس تفصيلاً سياسياً عابراً، بل حقيقة وجودية صارخة: المعركة لم تتوقف يوماً، وما يُسوّق له تحت عنوان “وقف إطلاق النار” ليس سوى قناعٍ هشّ لمرحلة أكثر تعقيداً من الصراع. نحن أمام مشهد يتكرر في تاريخ الأمم التي تُستهدف في وجودها: هدنة على الورق، وحربٌ مفتوحة في الميدان.
إنّ الصراع الذي يتجذر في أرضنا، في جنوب لبنان وسوريا الشام وفلسطين، ليس صراع حدود، بل صراع إرادات. إرادة تريد اقتلاع الإنسان من أرضه وتحويل الجغرافيا إلى فراغ، وإرادة أخرى تتمسك بالحياة بوصفها حقاً سيادياً لا يُمنح بل يُنتزع. من هنا، يصبح “السلم” الحقيقي مرادفاً للسيادة الكاملة، لا لمجرد توقف مؤقت لإطلاق النار. وما دون ذلك ليس إلا إعادة ترتيب لأدوات العدوان.
أكذوبة وقف إطلاق النار: “المنطقة الصفراء” والمحرقة الصامتة
حين نغادر لغة البيانات الرسمية ونقترب من الواقع، تنكشف الصورة بوضوح فاضح. ما يُسمى “استقراراً” ليس إلا استقراراً فوق فوهة بركان.
فالعدو، عبر فرض ما يسميه “الخط الأصفر”، لا يسعى إلى تهدئة، بل إلى إعادة رسم الجغرافيا بالقوة. تحويل القرى الجنوبية إلى مناطق شبه خالية، منزوعة الحضور الفعلي، ليس إجراءً أمنياً بل عملية تفريغ ممنهجة. إنها محاولة لخلق شريط ميت يفصل الإنسان عن أرضه، ويكسر العلاقة العضوية بين الشعب والجغرافيا.
وفي موازاة ذلك، فإن استهداف المدنيين والنخب ليس حدثاً عرضياً أو “خرقاً” تقنياً للهدنة. حين يُقتل العشرات خلال أيام قليلة، فنحن أمام سياسة مدروسة تهدف إلى تفريغ الأرض من أهلها، وإشاعة شعور دائم بعدم الأمان. إنها حرب نفسية بقدر ما هي عسكرية، هدفها إنهاك المجتمع من الداخل قبل كسره من الخارج.
أما على المستوى السياسي، فإن الحديث عن “اتفاقات” تمنح العدو حرية الحركة يكشف أزمة أعمق: أزمة سيادة. حين تعجز الدولة عن فرض سلطتها الكاملة على أرضها، وتتحول إلى متلقٍّ لشروط تُفرض عليها، فإننا نكون أمام خلل بنيوي في مفهوم الشرعية ذاته. وهنا يصبح السؤال ليس فقط عن الاحتلال، بل عن قابلية الداخل للتكيف مع هذا الواقع.
في مقابل هذا المشهد، تبرز حقيقة لا يمكن القفز فوقها: الحق الذي لا تحميه قوة، يبقى عرضة للتآكل. وهذا ليس شعاراً، بل قانوناً تاريخياً.
إن العمليات التي تستهدف الآليات العسكرية المتطورة، والتعامل مع الطائرات المسيّرة، تعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة المواجهة. لم تعد المسألة مجرد مواجهة تقليدية، بل أصبحت صراعاً بين عقلين: عقل يعتمد على التفوق التكنولوجي الكمي، وعقل آخر يوظف المعرفة والإبداع لسد فجوة الإمكانات.
تحطيم صورة “الآلة التي لا تُهزم” له أثر يتجاوز الميدان. إنه يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويكسر تلك الهالة التي أحاطت بالقدرة العسكرية للعدو لعقود. وهنا تكمن أهمية الردع ليس فقط كفعل عسكري، بل كفعل نفسي يعيد التوازن إلى معادلة الصراع.
لكن هذا المسار يبقى رهناً بشرط أساسي: وجود بيئة سياسية ومجتمعية تحتضنه. فالقوة لا تُبنى في الفراغ، بل تحتاج إلى مشروع نهضوي يرى في المقاومة جزءاً من منظومة سيادية متكاملة، لا حالة استثنائية معزولة.
لم يعد انتهاك السيادة يقتصر على الدبابات والطائرات. نحن أمام نمط جديد من السيطرة يتسلل عبر التكنولوجيا والبيانات.
حين يُطرح مفهوم “حرية الحركة” للعدو داخل الحدود، فإن الأمر يتجاوز البعد العسكري إلى المساس بجوهر الكيان السياسي. السيادة هنا لا تُنتهك فقط بالقوة المباشرة، بل أيضاً عبر فرض معادلات تكنولوجية واستخبارية تجعل المجال الحيوي مكشوفاً.
من هنا تبرز مسألة السيادة الرقمية كجزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية. القدرة على مراقبة السماء، حماية الاتصالات، وتأمين البيانات لم تعد ترفاً، بل شرطاً للبقاء. فالدولة التي لا تملك مفاتيح فضائها الرقمي، ستجد نفسها عاجزة عن حماية فضائها الجغرافي.
إن المعركة اليوم تُخاض على مستويين متداخلين: مستوى ميداني ظاهر، وآخر خفي يدور في شبكات المعلومات وأنظمة المراقبة. ومن يربح الثاني، يملك أفضلية حاسمة في الأول.
خاتمة: نحو وعي سيادي شامل
ما يجري في الجنوب ليس شأناً محلياً، ولا نزاعاً يمكن احتواؤه ضمن حدود ضيقة. إنه اختبار مفتوح لمفهوم السيادة في هذه المنطقة بأسرها.
إن القذيفة التي تسقط هناك، لا تصيب موقعاً جغرافياً فحسب، بل تمسّ فكرة الكرامة السياسية لكل إنسان يعيش في هذه البلاد. والهدوء الظاهري في المدن لا ينبغي أن يُخفي حقيقة أن الخلل، إذا تُرك دون مواجهة، سيتوسع ليطال الجميع.
النهضة هنا لا تعني خطاباً عاطفياً، بل وعياً متماسكاً يرفض التجزئة في فهم الأمن والمصير. فالأمن ليس حالة محلية، والسيادة لا تُجزّأ. وما لم يُدرك هذا الترابط، سيبقى التعامل مع الأزمات سطحياً، يدور في حلقة مفرغة.
لا سلام مع احتلال، ولا استقرار مع سيادة منقوصة. وبين وهم “الهدنة” وحقيقة “الاستنزاف”، يبقى الخيار واضحاً: إما وعيٌ سيادي يعيد ترتيب الأولويات، أو استمرار الانكشاف تحت عناوين براقة تخفي واقعاً أكثر قسوة.
د.نبيلة عفيف غصن
