ازدواجية الخطاب الأمريكي: من فرض فصل الدين إلى توظيفه سياسيا
محمد الحمد| ١٩ نيسان ٢٠٢٦
في خطوة تعكس تناقضا واضحا في الخطاب الأمريكي، كشفت CNN أن الرئيس الأمريكي ترمب سيشارك في قراءة علنية للكتاب “المقدس” هذا الأسبوع، في إطار سعي الإدارة لدمج الدين، في العمل الرسمي.
ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه الولايات المتحدة بتقديم نفسها كراعية لمبدأ فصل الدين عن الدولة، وهو المبدأ الذي طالما فرضته على دول منطقتنا تحت عناوين التقدم والحرية بما ينسجم مع الثقافة الغربية.
هذا التناقض لا يقتصر على الخطاب الرمزي، بل يمتد إلى ممارسات عملية داخل مؤسسات الحكم الأمريكية نفسها، فقد فعّل ترمب ما يُعرف بـ”مكتب الإيمان” في البيت الأبيض، وتولت Paula White مسؤولية هذا المكتب، حيث عملت على عقد العديد من الجلسات الدينية داخل البيت الأبيض، من بينها جلسات لما يُسمى بطرد الأرواح الشريرة، إلى جانب تقديم ترامب على أنه مختار من قبل المسيح، وترديد عبارات مفادها أن من يقول “لا لترامب إنما يقول لا لله”.
ولا يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن جذوره التاريخية داخل الإدارة الأمريكية، إذ لم يكن توظيف الدين في السياسة أمرا طارئا أو وليد المرحلة الحالية، بل هو امتداد لمسار أقدم.
تعود جذور ما يُعرف بمكتب الإيمان في البيت الأبيض إلى عهد الرئيس George W. Bush، حيث تم تأسيسه لإضفاء بُعد ديني على السياسات الأمريكية، لاسيما في سياق غزو العراق.
وقد شهد هذا التوجه تفعيلا واسعا وتوسعا ملحوظا في عهد ترمب، حيث أُعيد طرحه بصيغة جديدة وبمسميات مختلفة، مع حضور أكثر وضوحا للخطاب الديني في العمل السياسي.
وعلى مدى عقود، مارست الولايات المتحدة دورا مؤثرا في منطقتنا، ليس فقط سياسيا وعسكريا، بل ثقافيا وإعلاميا أيضا.
فقد رافق هذا الدور خطاب مكثف يدعو إلى إعادة تشكيل أنظمة الحكم، والتأثير على طبيعة القيادات السياسية، تحت عناوين مثل الحرية وحقوق الإنسان والتقدم وفق الثقافة الغربية، وغالبا ما ارتبط ذلك بانتقاد أو إضعاف أي خطاب قيادي متمسك بهويته الدينية أو بثوابته الثقافية.
وفي هذا السياق، برزت حملات إعلامية تسقيطية منظمة استهدفت شخصيات قيادية في المنطقة، حيث تم استخدام أدوات متعددة، من بينها البرامج الساخرة والمنصات الرقمية، لتشويه الصورة أو التقليل من شأن تلك الشخصيات.
وقد ارتبط بعض هذه الحملات وفق معطيات متعددة بأجندات تقودها أو تتقاطع مع أجهزة مثل CIA والموساد، بهدف التأثير على الرأي العام وإعادة تشكيله بما يخدم التوجهات الصهيوامريكية.
إلى جانب ذلك، لعبت منظمات مدعومة أمريكيا دورا محوريا في هذا المسار، حيث تم توظيفها كأدوات لاختراق المجتمعات من الداخل، والعمل على تغيير مفاهيمها وقيمها تدريجيا.
عبر استهداف نقاط قوة المجتمعات وزرع اليأس والشك بها، وقد استهدفت هذه الجهود المنظومة القيمية في دول المنطقة، في محاولة لإعادة صياغتها بما يتماشى مع النموذج الثقافي الغربي.
وقد شكلت هذه السياسات جزءا لحرب الناعمة، التي اعتمدت على التأثير الثقافي والإعلامي والفكري.
ومع مرور الوقت، ساهمت هذه الحرب في إحداث تحولات ملحوظة في بعض المجتمعات، حيث تم سلخ شرائح منها عن دينها وثوابتها، وإعادة توجيهها ضمن مسار ثقافي جديد، ينسجم مع المشاريع الصهيوامريكية في المنطقة تحديدا.
ومع تقدم هذه السياسات وتحقيقها لنتائج ملموسة في بعض الدول، بدأ الخطاب الأمريكي يشهد تحولا لافتا، حيث لم يعد يكتفي بإخفاء البعد الديني، بل بات يطرحه بشكل علني، بل ويُدخله في سياق الصراعات القائمة، في إشارة إلى أن ما يجري لم يكن بعيدا عن أبعاد دينية منذ البداية.
وفي هذا الإطار يبرز موضوع خطير وممنهج يقوده وزير الحرب الاميركي بيت هيغسيث، يقوم من خلاله بتوظيف الخطاب الديني حتى في المؤتمرات الصحفية، إضافة إلى تفعيل ما يُسمى بنظام الإرشاد الديني العسكري، الذي تأسس عام 1775، والذي تم تفعيله وفق الكنيسة الإنجيلية حاليا، بهدف تعبئة الجيش الأمريكي دينيا، ويترافق ذلك مع طرح أفكار بالغة الخطورة، من بينها تصوير الحرب الجارية ضد إيران على أنها حرب دينية تُوصف بـ “هرمجدون”، والترويج لفكرة أن ترمب مختار من قبل المسيح للقضاء على الإسلام.
وفي سياق هذا الخطاب الذي يدمج بين السياسة والدين والمصالح الاستراتيجية، تبرز تصريحات أخرى من داخل الدائرة السياسية الأمريكية تعكس نفس المنهجية:
“نحن براغماتيون، نحن واقعيون، قمنا بعمل جيد، وقمنا بتطهير الكثير من المساجد في المنطقة واستعادة الأيديولوجيا حتى نضمن التطبيع مع إسرائيل”.
هذا تصريح متلفز لـ جاريد كوشنر صهر ترمب.
كوشنر يهودي ومتعصب دينيا، وعندما يخاطب شعوب المنطقة يقول: نحن براغماتيون وواقعيون، وبالتالي فإن هذه شعارات زائفة، تُبعد المعنيين عن الهدف الأكبر لأمريكا، وهو الأمن القومي للكيان، والعمل بشكل ممنهج لتأسيس ما يُسمّى إسرائيل الكبرى.
والعديد من أصحاب القرار خُدعوا بهذه الشعارات الزائفة، ومنها: فصل الدين عن الدولة، والبراغماتية، والواقعية.
بينما لا يوجد إلا واقع واحد: أمريكا تعمل ليل نهار من أجل إسرائيل الكبرى، ومن أجل الديانة الإبراهيمية.
هذه الديانة الشيطانية، المراد فرضها بعد إلغاء الأديان كلها، هو عمل منهجي عملت عليه الماسونية من خلال بروتوكول أقرّه عرّابها اليهودي ويزهاوبت في عام 1784.
ولذلك على المعنيين أن يواجهوا هذا الشر المطلق من خلال التمسك بالدين والثوابت والمنظومة القيمية، وعدم الانجرار خلف مصطلحات زائفة هدفها سلب الشعوب من قدراتها، وسلخها من دينها وثوابتها، حتى يكون الطريق ممهّدًا لما يُسمّى إسرائيل الكبرى.
وفي الوقت الذي يُطلب فيه من شعوب المنطقة التخلي عن هويتها الدينية أو تحييدها عن الحياة العامة، يظهر المسؤول الأمريكي متمسكا بعقيدته، ومُوظفا لها في سياقاته السياسية، في ازدواجية صارخة تكشف حقيقة المعايير التي تُدار بها السياسات الدولية.
إن ما يجري اليوم يفرض قراءة مختلفة للأحداث، لا تقتصر على ظاهرها السياسي، بل تمتد إلى فهم أعمق للصراع القيمي والثقافي، حيث لم تعد المواجهة فقط على الأرض، بل أصبحت أيضًا على مستوى الهوية والانتماء.
محمد الحمد / بغداد
