مقدمة: حين تتحول الذاكرة إلى ساحة المعركة الأخيرةفي المنعطفات التاريخية الحادة، لا تُقاس خطورة الأحداث فقط بما يُدمَّر من عمران، بل بما يُستهدف من وعي. فالدول قد تُحتل وتتحرر، والأنظمة قد تسقط وتُستبدل، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تُصاب الذاكرة الجمعية بالتآكل، وعندما يُعاد تعريف الماضي بما يخدم إخضاع الحاضر.ما تشهده سورية الشام اليوم ليس مجرد إعادة تموضع سياسي أو أمني، بل هو مشروع متكامل لإعادة هندسة الوعي. مشروع يبدأ من التفاصيل الصغيرة—اسم شارع، لوحة مدرسة، فقرة في كتاب—لينتهي بإعادة صياغة الإنسان نفسه: ماذا يتذكر، كيف يفكر، وما الذي يعتبره ممكناً أو مستحيلاً.إننا أمام محاولة لاقتلاع الجذور، لا لقطع الفروع. وأخطر ما في هذه العملية أنها لا تُقدَّم كعدوان، بل كـ“تحديث” أو “واقعية” أو “إعادة تنظيم”.لكن ما يجري في العمق هو شيء آخر تماماً:تفكيك منهجي لذاكرة مكوّنات الشعب السوري، تمهيداً لإعادة تشكيلها.الفصل الأول: اغتيال الرموز السورية… حين تُقتلع الأسماء من شوارعهالم تكن أسماء يوسف العظمة، سلطان باشا الأطرش، إبراهيم هنانو، حسن الخراط، جول جمال، عدنان المالكي مجرد لافتات، بل كانت نصوصاً مختصرة لذاكرة أمة.هذه الأسماء لم تُكتب على الجدران اعتباطاً، بل جاءت نتيجة صراع طويل لتكريس سردية وطنية ترى في سورية الشام كياناً حياً، تشكّل عبر مقاومة الاستعمار ومواجهة التفكك.حين يُزال اسم يوسف العظمة، لا يُحذف اسم رجل، بل يُستهدف مفهوم السيادة في لحظتها الصفرية: لحظة ميسلون، حيث قُرر القتال رغم استحالة النصر العسكري، لأن الهزيمة مع المقاومة تختلف جوهرياً عن الاستسلام بلا قتال.وحين يُمحى اسم سلطان باشا الأطرش، فإن ما يُستهدف ليس شخصه، بل فكرة وحدة مكوّنات الشعب السوري، تلك التي تجلّت في الثورة السورية الكبرى بوصفها فعلاً عابراً للطوائف والمناطق.أما إبراهيم هنانو وحسن الخراط، فإزالتهما تمثل تفريغاً لذاكرة المقاومة الشعبية، وتحويلها من نموذج قابل للاستلهام إلى قصة منسية.إن هذه العملية تندرج ضمن ما يمكن تسميته “هندسة النسيان”[1]، حيث لا يُكتفى بإهمال الرموز، بل يتم اقتلاعها من الفضاء العام، لإنتاج فراغ رمزي يسهل ملؤه لاحقاً بسرديات بديلة.الفصل الثاني: المدرسة كساحة اقتلاع… من القدوة إلى الفراغإذا كان الشارع يختزن الذاكرة، فإن المدرسة تُعيد إنتاجها. ولهذا فإن استهداف أسماء المدارس يُعدّ من أخطر أدوات إعادة تشكيل الوعي.مدرسة تحمل اسم “يوسف العظمة” ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل رسالة يومية غير مباشرة: هناك من ضحّى، وهناك معنى للانتماء.لكن حين تُزال هذه الأسماء، أو تُستبدل بأسماء بلا جذور، يحدث تحول عميق:ينتقل الطالب من بيئة مشبعة بالرمزية إلى بيئة محايدة، بل مفرغة من المعنى.وهذا ما تسميه دراسات التربية السياسية “تفكيك البنية الرمزية للتنشئة”[2].فالتنشئة لا تتم فقط عبر المناهج، بل عبر كل ما يحيط بالطالب—ومن أهمه الأسماء.حين يفقد الجيل رموزه، لا يفقد فقط معلومات، بل يفقد القدوة.وحين تغيب القدوة، يصبح الوعي هشاً، قابلاً لإعادة التشكيل وفق أي سردية لاحقة.الفصل الثالث: من حذف الأسماء إلى إعادة كتابة التاريخإزالة الأسماء ليست سوى الخطوة الأولى. فالمرحلة التالية هي إعادة تعريف ما تم حذفه.في هذا السياق، تظهر محاولات لتقديم الشخصيات الوطنية إما كجزء من ماضٍ “انتهى”، أو كرموز “لا تنطبق على الواقع الحالي”، أو يتم تجاهلها بالكامل.ويترافق ذلك مع العبث بالمناهج، حيث يُعاد توصيف أحداث مفصلية—مثل حرب تشرين 1973—بطرق تُفرغها من معناها.هنا لا يكون الهدف تصحيح الرواية التاريخية، بل إلغاء فكرة الفعل التاريخي نفسها.أي إقناع الجيل بأن ما حدث لم يكن انتصاراً ولا حتى محاولة ذات معنى، بل مجرد “تمثيل”.بهذا، يُضرب أحد أهم مصادر الثقة بالذات الجماعية:الإيمان بأن الإنسان في هذه المنطقة قادر على الفعل والتغيير.وهذا ما يمكن تسميته “اليتْم التاريخي”[3]:جيل بلا أبطال، بلا سردية، بلا مرجعية.الفصل الرابع: التحول الوظيفي… من المواجهة إلى إعادة تعريف الأولوياتلا يمكن فصل استهداف الذاكرة عن التحولات السياسية الجارية. فإعادة تشكيل الوعي تسير بالتوازي مع إعادة تعريف العدو والصديق.القضايا التي كانت مركزية—كالجولان أو الصراع مع الكيان الصهيوني—تتراجع في الخطاب، أو تُطرح بصيغة هامشية. وفي المقابل، يتم تقديم أولويات جديدة تُبرر هذا التراجع.في هذا السياق، تبرز قضايا رمزية مثل الحديث عن ملفات تاريخية حساسة (كقضية إيلي كوهين)، والتي تُستخدم لإعادة صياغة العلاقة مع الماضي.هذه التحولات لا تعني بالضرورة إعلان مواقف صريحة، بل تعمل بطريقة أكثر هدوءاً:إعادة ترتيب ما يُقال وما لا يُقال.وهذا بحد ذاته شكل من أشكال إعادة تشكيل الوعي.الفصل الخامس: تفكيك العمق الاستراتيجي… حين تتقاطع الجغرافيا مع الذاكرةإن استهداف الرموز الوطنية لا يمكن عزله عن البعد الجيوسياسي. فسوريا الشام لم تكن مجرد مساحة جغرافية، بل كانت تاريخياً عقدة وصل استراتيجية.أي تغيير في وعي المجتمع تجاه تاريخه ورموزه، ينعكس بالضرورة على موقعه في هذه المعادلة.فعندما تُضعف الذاكرة، يُضعف معها الاستعداد للدفاع عن الجغرافيا.وحين يُعاد تعريف الصراع، يُعاد تعريف دور المكان نفسه.هذا ما تشير إليه دراسات “إعادة هندسة المجال الأمني”[4]، حيث لا يتم فقط تغيير موازين القوى، بل تغيير إدراك المجتمعات لهذه الموازين.الفصل السادس: حين تُمحى الذاكرة… من المجتمع الحي إلى الكيان القابل للبرمجةفي ذروة هذا المسار، نصل إلى الهدف النهائي:إنتاج إنسان جديد.إنسان لا يرى في يوسف العظمة نموذجاً،ولا في الأطرش رمزاً،ولا في هنانو أو الخراط امتداداً له.إنسان يعيش في حاضر منفصل عن ماضٍ بلا معنى،ويقبل بالواقع لأنه الوحيد الذي يعرفه.هذه هي “إعادة البرمجة” في أعمق معانيها.لكن هذه العملية، رغم خطورتها، ليست مطلقة.فالذاكرة ليست فقط في المؤسسات، بل في المجتمع نفسه: في العائلات، في الحكايات، في الوعي الكامن.وهذا ما يجعل محوها الكامل أمراً مستحيلاً.خاتمة: الذاكرة لا تُهزمإن الأمة التي تُنزع أسماء أبطالها من مدارسها وشوارعها، لا تُسلب مجرد لافتات، بل تُستهدف في عمقها الوجودي.لكن التاريخ يثبت أن الذاكرة الحية لا تُمحى بقرار، ولا تُلغى بمنهاج، ولا تُستبدل بلافتة.قد تُحاصر،قد تُشوَّه،قد تُدفع إلى الهامش،لكنها تبقى كامنة، تنتظر لحظة استعادتها.إن معركة الذاكرة ليست معركة ماضٍ، بل معركة مستقبل.فإما ذاكرة تنتج وعياً وموقفاً،وإما فراغ يُنتج تبعية.وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح التمسك بأسماء مثل يوسف العظمة، سلطان باشا الأطرش، إبراهيم هنانو، حسن الخراط… ليس مجرد وفاء للماضي، بل فعل مقاومة في الحاضر.لأن من يعرف تاريخه، لا يُعاد تشكيله بسهولة.ومن يملك ذاكرته، يملك مستقبله.الهوامشدراسات “هندسة الذاكرة والفضاء العام”، مركز الدراسات الاجتماعية، 2024.تقرير “التنشئة السياسية والبنية الرمزية في التعليم”، معهد التربية المقارنة، 2025.“الهوية واليتْم التاريخي”، مجلة علم الاجتماع السياسي، 2023.“إعادة هندسة المجال الأمني في الشرق الأوسط”، مركز الدراسات الاستراتيجية، 2026.قائمة المراجعسعادة، أنطون. نشوء الأمم.حمدان، جمال. شخصية مصر.أرشيف الثورة السورية الكبرى ووثائقها.أرشيف حرب تشرين 1973.دراسات حديثة في الذاكرة الجمعية وعلم الاجتماع السياسي.
د.نبيلة عفيف غصن
