د. نبيلة عفيف غصن
لم يعد الإعلام العبري يكتفي بنقل الوقائع، بل بات شريكاً كاملاً في صناعة السيناريوهات وترويجها كأنها حقائق قيد التنفيذ. ما يُطرح اليوم تحت عنوان “تفاهمات غير مسبوقة بين الكيان الصهيوني وسوريا” ليس مجرّد تحليل، بل هو إعلان مبكّر عن رؤية استراتيجية خطيرة: إعادة رسم الواقع اللبناني من خارج إرادة اللبنانيين أنفسهم.
حين يُعاد تعريف لبنان كـ”مشكلة أمنية”أخطر ما في هذا الطرح ليس مضمونه المباشر، بل المنطلق الذي يبني عليه:لبنان، وفق الرواية الصهيونية، لم يعد دولة ذات سيادة، بل “ساحة فاشلة” عاجزة عن إدارة نفسها، وبالتالي مفتوحة أمام تدخل الآخرين.هذا التوصيف ليس بريئاً. هو تمهيد سياسي وفكري لشرعنة أي تدخل خارجي لاحق.فعندما يُقال إن الدولة “غير قادرة” أو “غير راغبة”، يصبح تجاوزها أمراً مبرّراً في منطق القوة.
لكن الحقيقة التي يتم تجاهلها عمداً هي أن لبنان لم يكن يوماً عاجزاً بذاته، بل مُستهدفاً ببنية ضغط مركّبة: حصار اقتصادي، ابتزاز سياسي، وتهديد عسكري دائم. ومع ذلك، يُعاد تسويق النتيجة وكأنها سبب.من العجز المزعوم إلى التقسيم المقنّعالطرح الإسرائيلي لا يقف عند حدود التشخيص، بل يقفز مباشرة إلى “الحل”:تقاسم أمني للبنان بين الكيان الصهيوني والنظام السوري.بصياغة أوضح:الجنوب تحت سيطرة الاحتلال،الشمال ساحة نفوذ سوري،وما تبقّى يُترك كمنطقة عازلة بلا قرار.هذا ليس “ترتيباً أمنياً”، بل مشروع تقسيم وظيفي يعيد لبنان إلى ما قبل الدولة، ويحوّله إلى جغرافيا موزّعة بين قوى إقليمية.اللافت أن هذا السيناريو يُطرح ببرودة تامة، كأنه خيار طبيعي، لا كونه انتهاكاً صارخاً لكل مفهوم سيادي.
العدو يحدّد العدو: إعادة تشكيل الأولويات
في هذا الطرح، تُختزل كل معادلة الصراع في نقطة واحدة: القضاء على المقاومة.كل ما عدا ذلك يصبح تفصيلاً ثانوياً، بما في ذلك سيادة لبنان وحدوده وقراره الوطني.بل أكثر من ذلك، يحاول الخطاب الإسرائيلي فرض معادلة جديدة:أن هناك “أطرافاً في المنطقة” تشترك معه في العداء للمقاومة، وبالتالي يمكن البناء على هذا العداء لتشكيل تحالفات غير معلنة.
هنا لا يجري فقط استهداف المقاومة، بل إعادة تعريف من هو العدو ومن هو الحليف في وعي المنطقة.
واشنطن بين الرفض العلني والموافقة الصامتة
التقرير يشير بوضوح إلى نقطة حساسة: الولايات المتحدة لا ترغب بهذا السيناريو علناً، لكنها قد لا تمنعه فعلياً.هذا النمط ليس جديداً.
إنه جوهر السياسة الأمريكية في المنطقة:رفض في الإعلام،تردّد في الموقف،ثم قبول ضمني عندما يصبح الواقع مفروضاً.بمعنى آخر، ما لا تستطيع واشنطن تمريره مباشرة، قد تسمح بمروره عبر أطراف أخرى.
الرسالة الأخطر: ما يُطرح ليس خيالاً
قد يبدو هذا السيناريو للبعض مبالغاً فيه، لكن الخطأ هو التعامل معه كتحليل إعلامي فقط.في الواقع، هو:اختبار ردود الفعل،تمهيد نفسي،وجسّ نبض لخطوات قد تُطرح لاحقاً بشكل تدريجي.فالمشاريع الكبرى لا تبدأ بقرارات رسمية، بل بأفكار تُزرع، ثم تُكرّر، ثم تتحوّل إلى “خيارات واقعية”.
الخلاصة:لبنان بين مشروعين
ما يُرسم اليوم يضع لبنان أمام مفترق حاد:إما أن يبقى ساحة تُدار من الخارج تحت عناوين “الأمن” و”الاستقرار”،وإما أن يُعاد تثبيت معادلة أن السيادة لا تُجزّأ، وأن القرار لا يُصاغ في غرف الآخرين.المعركة لم تعد فقط على الحدود، بل على تعريف لبنان نفسه:هل هو دولة، أم مجرد مساحة قابلة للتقاسم؟ما يقوله إعلام العدو ليس نبوءة، بل محاولة فرض مستقبل.
والفارق بين الاثنين يتوقّف على كيفية قراءة هذه الإشارات… والتعامل معها قبل أن تتحوّل إلى واقع.
