د. نبيلة عفيف غصن

ليست مقالة إيدي كوهين في معاريف مجرد رأي عابر في صحيفة عبرية، بل نصٌّ كاشف لذهنية استعمارية لا تزال تتعامل مع لبنان كأرضٍ قابلة للفرض، لا كدولةٍ ذات سيادة.بوقاحةٍ سياسية مدهشة، يطرح كوهين “وصفة تفاوض”: اتفاق أمني سريع، خلافات حدودية مؤجلة، لبنانيون يريدون التطبيع، وآخرون ينتظرون “إنقاذهم” على طريقة اجتياح 1982، ثم يرفع السقف إلى حد مطالبة لبنان بدفع تعويضات للعدو، وفرض تصنيف داخلي لمكوّن لبناني كشرط مسبق لأي تفاوض.

هذا ليس تحليلًا… هذا عرضُ وصايةٍ مكتمل الأركان.ليس اقتراحًا… بل إنذارٌ مغلّف بلغة السياسة.إنه نصّ يقول بوضوح ما يحاول كثيرون تجميله:في نظرهم، لبنان ليس طرفًا يُفاوض… بل ملفًا يُعاد ترتيبه..أول المهزلة يبدأ من اللغة نفسها.

حين يُقال إن “نقاط الخلاف قليلة” وأن 13 أو 14 نقطة حدودية “ليست من الأولويات”، فهذه ليست تقنية تفاوض… بل محاولة واضحة لتفريغ القضية من مضمونها.أي منطق هذا الذي يحوّل الأرض إلى تفصيل؟أي عبث هذا الذي يؤجل رأس الناقورة ومزارع شبعا والغجر وكأنها بنود مؤجلة في دفتر حساب، لا أجزاء من سيادة منتهكة؟

إنها محاولة لفرض واقع:خذوا وقف إطلاق نار مؤقتًا… واتركوا السيادة لوقتٍ لاحق، أي إلى اللاوقت.

ثم تأتي الوقاحة الأكبر:الحديث باسم اللبنانيين.“شريحة كبيرة تريد التطبيع”…“فئة تريد أن ننقذها”…

بهذه البساطة، يُعاد إنتاج خطاب الاجتياح نفسه عام 1982، لكن بوقاحة أكثر حداثة.العدو لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى لاحتلال الرواية، ليتكلم باسم شعبٍ لم يفوضه، ويختلق له رغباتٍ تناسب مشروعه.هذا ليس تحليلاً… بل عملية تزوير سياسي.لبنان الذي يُختزل هنا إلى “شرائح قابلة للتطبيع” هو نفسه لبنان الذي أسقط مشاريع الهيمنة مرارًا، وهو نفسه الذي لفظ أدوات الاحتلال حين انتهى دورها.ومن يراهن على ذاكرة قصيرة، يتجاهل أن هذا البلد، رغم انقساماته، يمتلك حساسية عالية تجاه أي وصاية تُفرض عليه من الخارج.

أما ذروة الانحدار، فتظهر في منطق “التعويضات”.

العدو الذي دمّر البنى التحتية، وقتل المدنيين، وخرق السيادة برًا وبحرًا وجوًا، يأتي اليوم ليطالب الضحية بدفع الفاتورة.هنا لا نتحدث عن تفاوض… بل عن قلب كامل للحقائق.وفق هذا المنطق:المعتدى عليه هو المسؤول،والمدافع عن أرضه هو المجرم،والاحتلال يتحول إلى جهة متضررة تستحق التعويض.إنها ليست مجرد مغالطة… بل إعادة صياغة للواقع وفق ميزان قوة يريد أن يفرض نفسه كحقيقة سياسية.

ثم يأتي الشرط الأخطر:

تصنيف حزب الله “منظمة إرهابية” كمدخل لأي تفاوض.بغض النظر عن الموقف الداخلي من الحزب، فإن فرض هذا الشرط من الخارج ليس نقاشًا سياديًا… بل إملاء مباشر على القرار اللبناني.المسألة هنا ليست حزبًا أو خلافًا داخليًا، بل سابقة خطيرة:أن يُطلب من دولة أن تعيد تعريف مكوّن من مكوّناتها السياسية تحت تهديد تعطيل التفاوض.وهذا بحد ذاته يكشف الهدف الحقيقي:ليس الوصول إلى اتفاق، بل إعادة تشكيل لبنان سياسيًا بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية.لكن الأخطر من كل ما سبق… هو ما بين السطور.

النص يعكس قناعة راسخة لدى العدو:أن لبنان يمكن الضغط عليه،وأن مؤسساته قابلة للابتزاز،وأن الوقت يعمل لصالح فرض شروط لم يكن من الممكن طرحها سابقًا بهذه الجرأة.

هذه ليست قراءة للوضع… بل استثمار فيه.

في الخلاصة، نحن أمام خطاب لا يعرض سلامًا، بل يختبر حدود الانهيار:إلى أي مدى يمكن دفع لبنان للتنازل؟إلى أي حد يمكن تحويل السيادة إلى بند تفاوضي؟وكم بقي من القدرة على الرفض؟الرد الحقيقي على هذه المهزلة لا يكون ببيانات دبلوماسية باردة، بل بإعادة تعريف الأولويات:السيادة ليست تفصيلاً،والحدود ليست مؤجلة،والقرار الوطني ليس مادةً للتفاوض تحت الضغط.

فإما أن يكون لبنان دولة تُخاطَب بندّية…أو ساحة يُعاد رسمها كلما قرر الآخرون ذلك.