في زمنٍ تتكسر فيه الحقائق على حواف السرديات، لم يعد السؤال: ماذا يُكتب؟ بل: من يكتب، وتحت أي سقف، ولأي غاية؟ ما أُثير حول معهد “نيولاينز” ومجلة “الفراتس” لا يمكن دفنه في زوايا التجاهل، ولا التعامل معه كضجيج عابر. نحن أمام ملف يلامس جوهر الأمن الفكري العربي، ويستدعي مساءلة صريحة لا تعرف المجاملة.
حين تُطرح أسماء مثل إليزابيث تسوركوف، المرتبطة بخلفيات أمنية وعسكرية في الكيان الصهيوني، في سياق العمل البحثي داخل هذه المنصات، فإن السؤال يصبح مشروعًا: ما طبيعة هذا الحضور؟ وما حدوده؟ وهل نحن أمام تداخل أكاديمي طبيعي، أم أمام بوابة عبور لنفوذ سياسي مغلف بلغة البحث؟
وحين يتردد أن كتّابًا وباحثين عربًا — مثل أحمد أبازيد، ليلى الرفاعي، وياسين الحاج صالح — قد تفاعلوا أو نشروا ضمن هذه البيئة، فإن المسألة لا تُختزل في أسمائهم، بل تتسع إلى سؤال أكبر: هل كان هذا التفاعل ضمن إطار مهني شفاف، أم ضمن منظومة لم تُكشف كل أبعادها بعد؟ وأين تقف حدود المسؤولية الفردية حين تتقاطع المعرفة مع السياسة؟
أما في حالة سلطان العامر ومن معه، فالتساؤل يصبح أكثر حدة: ما طبيعة العلاقة المهنية أو البحثية مع شخصيات مثيرة للجدل كهذه؟ وهل تمّت مراجعة الخلفيات والتقاطعات السياسية قبل الانخراط في هذا النوع من العمل؟ أم أن إغراء المنصات والتمويل بات يتقدم على حساب التدقيق والمسؤولية؟
لكن الأخطر من كل ذلك، ليس فقط من يكتب في هذه المنصات، بل كيف تُصاغ الرسائل، ولمن تُوجَّه. فالتطبيع الناعم لم يعد خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل تحول إلى عملية بطيئة تستهدف إعادة تشكيل وعي الأجيال الشابة، وفق ما يمكن تسميته بـ”كيّ الوعي”. هذا الجيل، الأكثر اتصالًا بالعالم الرقمي، والأقل احتكاكًا بالحروب التقليدية، بات الهدف الأول لهذه الاستراتيجيات.
يبدأ ذلك بإعادة تشكيل الصورة الذهنية، حيث يجري تصدير الكيان الصهيوني كرمز للتكنولوجيا والابتكار والحرية الفردية، بدل كونه كيانًا قائمًا على الاحتلال. ومع الوقت، يُربط حضوره في ذهن الشاب العربي بمعاني النجاح والتقدم، لا بالصراع والعدالة. ثم تأتي اللغة “الإنسانية” المشتركة، حيث يُعاد تأطير النقاش حول قضايا عالمية مثل المناخ، الفن، وريادة الأعمال، بما يُهمّش الصراع ويُفرغه من مركزيته. ولا يمكن إغفال دور “المؤثرين”، الذين يُستهدفون عبر فعاليات وشبكات علاقات تمنح هذا المسار شرعية شعبية ناعمة. أما النتيجة الأعمق، فهي تذويب الهوية السياسية، وتحويل القضية من قضية حق واضح إلى “نزاع معقد” يفضي إلى اللامبالاة.
تكمن خطورة هذا المسار في كونه تراكميًا وغير صدامي؛ لا يطلب تغييرًا فجائيًا، بل يُنتج اعتيادًا بطيئًا يُعيد تشكيل الوعي دون مقاومة تُذكر.
وهنا تتقاطع هذه الوقائع مع ما حذّر منه مفكرون وباحثون حول مفهوم “التطبيع الثقافي”، باعتباره أخطر من التطبيع السياسي نفسه. فالمسألة لم تعد مجرد موقف رسمي أو اتفاق عابر، بل عملية عميقة تستهدف الذاكرة والهوية والانتماء. التطبيع الثقافي، كما يُطرح في هذا السياق، ليس فقط إعادة تعريف العلاقة مع الخصم، بل إعادة صياغة الوعي بحيث يفقد حساسيته تجاه الظلم، ويعتاد وجوده، بل وقد يبرره.
وتتجلى أخطر صور هذا المسار في الإعلام، حيث يتحول إلى منصة لإعادة إنتاج السردية، واستضافة أصوات مبرِّرة، أو حتى إدماج شخصيات تحمل مواقف عدائية ضمن محتوى “طبيعي”. من هنا، تُطرح تساؤلات حادة: كيف ولماذا تُستضاف أو تُدمج شخصيات مثيرة للجدل في أعمال إعلامية عربية؟ وما الرسالة التي تُمرَّر حين يظهر شخص معروف بمواقفه المتطرفة ضمن عمل فني أو منصة جماهيرية؟
في هذا الإطار، يبرز الجدل حول مشاركة شخصيات مثل إيفا كدوش في أعمال إعلامية، رغم ما نُسب إليها من مواقف داعمة للعنف ضد المدنيين في غزة. السؤال هنا ليس فنيًا، بل أخلاقي وثقافي: ما الذي يعنيه أن تتحول هذه الشخصيات إلى جزء من المشهد الإعلامي العربي؟ وأي وعي يُصاغ حين يُقدَّم هذا الحضور كأمر عادي؟
إن خطورة التطبيع الإعلامي لا تكمن فقط في ما يُقال، بل في ما يُطبَّع كـ“مألوف”. حين يجلس المختلف جذريًا في موقع المعتدي إلى جانب الضحية في مشهد واحد بلا سياق، تُمحى الحدود، ويُعاد تعريف الحقيقة.
في المحصلة، نحن أمام معركة على الوعي لا تقل ضراوة عن أي مواجهة ميدانية. وبين الاتهام والتبرير، يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل ما يجري هو تفاعل معرفي طبيعي في عالم مفتوح، أم إعادة تشكيل صامتة للعقل العربي تحت عناوين براقة؟
الإجابة لا تُحسم بالشعارات، بل بالشفافية، والمساءلة، وامتلاك الشجاعة لطرح السؤال الأهم: من يكتب… ولصالح من؟
د.نبيلة عفيف غصن
