خاصموا المقاومة ولا تطعنوها واستثمروا الفرصة
ناصر قنديل
– تملي موجبات العيش المشترك والوحدة الوطنية الاعتراف بأن الخصومة مع المقاومة ليست مجرد مؤامرة أجنبية، بل هي في غالب حالاتها تعبير عن تعقيد التركيبة اللبنانية القائمة على الهويات الطائفية ومرجعياتها الأكثر متانة مع الخارج من ارتباطها بالشريك في الوطن، وسيرة لبنان الوطن منذ نشوء لبنان الكبير تعيش تعثر تشكيل الهوية الجامعة وخطر الانقسام عند كل تغيير في ميزان القوى الإقليمي والدولي، وصولاً للوقوع في مخاطر الحرب الأهلية، ويجب النظر إلى الموقف الرافض لعلاقة المقاومة بإيران أو حتى علاقتها بفلسطين، كنتيجة لهذه التركيبة المعقدة والمفككة لمفهوم الهوية والموقع في الإقليم والعالم وتعريف مفهوم “الوطنية اللبنانية”.
– إذا تجاوزنا اللغة المتوترة والعدائيّة يسهل علينا الاتفاق على أن ما قامت به المقاومة في مواجهتها الأخيرة مع الاحتلال خلال يومين عقب الصواريخ التي أثارت الضجة حول اتهام المقاومة بربط لبنان بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وقد تكفلت التقارير الإسرائيلية المجمع على صحتها في إظهار القرار الإسرائيلي بشن حملة تدمير شاملة على لبنان وحملة برية واسعة، ليس للانتقام من المقاومة بقيادة حزب الله فقط، ولا لنزع سلاحه وحسب، بل لفرض أجندة إسرائيلية مدروسة تقوم على اقتطاع جزء هام من الأرض اللبنانية قد يصل إلى كل جنوب الليطاني، وإفراغه من السكان والجيش واليونيفيل، وفرض امتيازات إسرائيلية لحرية الحركة في الأجواء اللبنانية، وترتيبات أمنية في منطقة بين نهري الليطاني والأولي. وبمعزل عن ما يقوم به حزب الله اليوم ومدى فاعليته لمنع هذا المشروع، فإن الحكومة ومَن يؤيدها في الخصومة مع المقاومة وصولاً للمطالبة بنزع سلاحها بالقوة ولو أدى ذلك إلى مواجهة داخلية قاتلة، لا يستطيعون الادعاء بأن لديهم خطة لمنع تحقيق الخطة الإسرائيلية، وستة عشر شهراً من عمر وقف إطلاق النار ومحاولات تجنيد العلاقات بالعرب والغرب وأميركا تقول إن لا أمل يرتجى على هذا الصعيد من الخيار الدبلوماسي الذي لا يعرض على اللبنانيين سوى القبول بتفاوض ينتهي باتفاق يمنح الشرعية للخطة الإسرائيلية، تحت شعار فن الممكن وعدم القدرة على التمرّد على متغيرات إقليمية وموازين قوى لا يمكن كسرها.
– هذا يعني أن أسوأ ما قد ينتج عن فشل المقاومة في منع الخطة الإسرائيلية هو الوصول إلى وقوع ما تسلّم الحكومة بأن منعه مستحيل، وطالما أن الحكومة قد قالت موقفها وحققت ربط النزاع، فإن فشل المقاومة سوف يمنح الحكومة سبباً وجيهاً وقدرة إقناع لكثير ممن يؤيدون المقاومة بأن على المقاومة أن ترتضي البحث مع الحكومة في خطة لتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة وقد ثبت أن لا جدوى من وجود السلاح، بينما الذهاب إلى تحويل الخصومة مع المقاومة إلى مؤامرة عليها والقيام بطعنها في ظهرها، فهو اشتراك مع الاحتلال في خندق واحد من الحرب التي تستهدف لبنان بالأصل وتستهدف المقاومة كعقبة تحول بينها وبين أهدافها في لبنان، وهذا سقوط أخلاقيّ مشين، عدا عن أنه مشروع ترجيح لصالح نجاح الاحتلال في خطته، وهو طعن في صحة منطق الحكومة التي تقول بأن قبولها بالتسليم بالعجز وصولاً للتمهيد للاستسلام أمام الاحتلال وخطته، انما يتمّ لتخفيف التكلفة على اللبنانيين وتجنيبهم سفك دماء بلا مبرّر، فكيف يستقيم الأمر بقتال داخلي يرفع التكلفة ويأخذنا إلى سفك الدماء بلا طائل، فننقل وجهة القتال من حيث يجب أن يكون بوجه الاحتلال بداعي الحرص ونسقط هذا الحرص بجعل الاقتتال في الداخل، ونمنع الجيش عن إطلاق النار على الاحتلال بداعي الحرص ومطالبته بإطلاق النار على لبنانيين يقاتلون الاحتلال وتجاهل مبدأ الحرص؟
– إذا كان تخفيف التكلفة يتحقق بترك المقاومة تخوض غمار المواجهة وتختبر ما تعتقد أنه صحيح، وتظنّ فيه وصفة لمنع خطة الاحتلال، والانتظار لتنجلي المواجهة عن فشل المقاومة لمطالبتها الانضواء تحت خطة الحكومة، من حصر السلاح إلى الاستسلام للاحتلال تحت شعار العجز والمتغيرات الإقليمية والدولية وموازين القوى، فالسؤال الموازي ماذا لو كانت المقاومة محقة، وثبت أنها أعادت ترتيب أوراق الموازين بينها وبين الاحتلال، ونجحت في تعطيل خطة الاحتلال وارتباكها، كما يحدث منذ يومين ولا يزال، وبدأت الاتصالات الدوليّة تظهر على شاشة الحكومة تغيراً في شروط الاحتلال وسعياً إلى وقف لإطلاق النار لا يحقق للاحتلال ما بات معلوماً أنّها شروطه، أليست هذه فرصة وطنيّة تستدعي من الحكومة فتح الطريق أمامها والاستثمار عليها، وقد سقط اتفاق وقف إطلاق النار، ويكفي فشل الاحتلال في تثبيت سيطرته على المناطق الواقعة بين الحدود ونهر الليطاني، وربما على خط الحدود نفسه، ووصلت الأمور إلى وجود فرصة لانتزاع السيادة كاملة بالحدود التي فرضت المقاومة على الاحتلال احترامها عام 2000 ثم عام 2006، أليست هذه فرصة وطنية تستحق من الحكومة كجهة مسؤولة دستورياً عن السيادة،النظر فيها وانتظار الوقائع اللاحقة قبل إصدار الحكم المسبق عليها؟
– هذه دعوة إلى ربط النزاع عند حد الخصومة دون الطعن في ظهر المقاومة، بانتظار أن تقول المواجهة الدائرة ما إذا كانت المقاومة سوف تفشل، فيصبح تسويق منطق الحكومة ودعوتها لتقبل الاستسلام أسهل بما يتيح تنفيذ قراراتها سلمياً، أو إذا كانت المقاومة سوف تنجح ويصير استثمار الحكومة على نجاحها فرصة لحماية السيادة وتفادي الكأس المرّة للاستسلام.
