ليست المأساة في رحيل العظماء، بل في عجز الأمة عن قراءة اللحظة التي رحلوا فيها.»
فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية
فرحَ الجاهلُ، وشمتَ الأحمقُ، وتبارى البعض في إطلاق أحكامٍ لا وزن لها في ميزان التاريخ. غير أنّ ما جرى — أو ما قد يجري — ليس حدثًا عابرًا يُطوى كما تُطوى نشرات الأخبار، بل محطة فاصلة في مسار أمةٍ بأكملها. نعم، إن نالها القائد وختم مسيرته كما أراد وتمنّى، فقد خُتمت مسيرة قاربت تسعين عامًا، مسيرةً امتدت بين المنعطفات الكبرى، والتحديات الوجودية، والصراع المفتوح مع مشاريع الهيمنة. خُتمت على يد أشرّ القوم وأشدّهم بطشًا وتسلّطًا، في مشهدٍ تختلط فيه الدماء بالرسائل، وتُكتب فيه الفصول الأخيرة بحبرٍ ثقيل.
رحل عن الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى كما أسلافه، شامخًا كما عاش، ثابتًا كما عُرف. فإن استُشهد السيد علي الخامنئي في يومٍ رمضاني وهو صائم، فقد صام عن الطعام والشراب، ولم يصم عن نصرة الحق والحقيقة. في المقابل، صام آخرون عن المواقف، واكتفوا بخطبٍ رنّانة وشعاراتٍ جوفاء، وهم يتغنّون بانتمائهم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بينما أفعالهم تسير في اتجاهٍ معاكس.
لم يكن الخبر عاديًا، بل هزّ قلوب المؤمنين والمحبّين والأحرار والحرائر، وأفرح قلوب الجهلاء والحاقدين ومن ضاق أفقهم عن إدراك معنى الثبات. وفي هذا المشهد المتناقض تتجلّى حقيقة البشر: منهم من يرى في رحيل القادة نهاية، ومنهم من يراه بداية مرحلةٍ أشدّ وضوحًا وأعمق وعيًا.
هل سمعتم يومًا عن النجم الميّت؟ نجمٌ يغادر الحياة، لكن أثره يظلّ مضيئًا في السماء، يترك خطًّا جميلاً يشقّ العتمة، فيظنه الناس حيًا وهو قد أفَل. كذلك الشهداء؛ أجسادهم تغيب، لكن أثرهم يبقى نورًا ممتدًا، يزيّن السماء بمصابيح ويهدي الأرض ببصائر. رحل متجذّرًا، لم ينل منه التهجين لا فكريًا ولا عقائديًا، لم يُساوم على ثوابتٍ رآها جزءًا من هويته، بل رحل وهو يرى الصورة كاملة، بوضوحٍ لم يحتمله كثيرون.
غير أن المسألة لا تقف عند حدود الفقد الوجداني، ولا عند مشاعر الحزن أو الغضب. المسألة أعمق وأخطر؛ إنها مسألة وعيٍ سياسي واستراتيجي. إن اغتيال قائدٍ بهذا الثقل، إن تمّ، لا يمكن أن يُفهم باعتباره فعلًا منفردًا أو قرارًا معزولًا. بل هو — في سياقه الأوسع — حلقة في مشروعٍ تتقاطع عنده مصالح دولٍ تُسمّى عظمى، حتى وإن اختلفت فيما بينها على التفاصيل.
قد يبدو للبعض أن الحديث عن تقاربٍ ضمنيٍّ بين قوى متنافسة كالغرب وروسيا والصين ضربٌ من المبالغة، لكن قراءة المصالح تكشف أن الخلاف بينها لا يلغي التقاءها حين يتعلّق الأمر بإعادة ضبط المنطقة ومنع تشكّل قوةٍ عقائدية مستقلة. الصراع على العروش والهيمنة والسيطرة لا يعني بالضرورة تناقضًا مطلقًا في كل الملفات؛ بل قد يعني توزيع أدوار، أو صمتًا مقصودًا، أو توافقًا غير مُعلن على أن تبقى هذه المنطقة ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى.
الرأس المستهدف لم يكن مجرد شخصية سياسية، بل رأسًا عقائديًا، رمزًا لمشروعٍ يرى نفسه خارج المنظومة الدولية المهيمنة. وهنا تكمن نقطة الالتقاء الروسية الصينية الأمريكية الإسرائيلية التي لم يُحسن العرب قراءتها يومًا. فغدا بعضهم لعبةً في يد هذه الدول؛ منهم من صدّق أنها حليفة صادقة، ومنهم من آمن بأنها قوةٌ لا تُقهر، ومنهم من ظنّ أن الاصطفاف خلف أحد الأقطاب كفيلٌ بحمايته من الابتلاع، فإذا به يكتشف متأخرًا أنه كان مجرد ورقة تفاوض.
إن أخطر تداعيات الاغتيال ليست عسكرية فحسب، بل اجتماعية وفكرية. إذ ستنشط مشاريع تأجيج الفتن، وسيسعى البعض إلى إعادة الصراع السني الشيعي ليتصدّر المشهد من جديد. وهذا هو الفخّ الأكبر. بقاء الكيان مرهون بتنشيط الانقسامات، خصوصًا بعد عجزٍ ميدانيٍّ واجهه، فكان اغتيال القادة محاولة لكسرٍ معنوي، وإعادة توجيه البوصلة نحو اقتتالٍ داخلي يُنسي الأمة عدوّها الحقيقي.
من هنا يصبح الوعي واجبًا لا خيارًا. الوعي بطبيعة الصراع، الوعي بأن التكفير لا يبني أمة، وأن من يتشهّد لا يُخرَج من دائرة الإسلام بخلافٍ سياسي أو مذهبي. كيف يُكفَّر من يقول لا إله إلا الله؟ وكيف يُعاد إنتاج خطابٍ يمزّق الصفّ في لحظةٍ تحتاج إلى أعلى درجات التماسك؟
لقد غفلت الأمة طويلًا عن عدوّها الحقيقي، فانشغلت بصراعاتٍ بين قوميتين، عربية وفارسية، بينما تُبعث دولةٌ يهودية على أرضٍ عربية باسم التاريخ والدين والسياسة. نادوا بالإبراهيمية لتوحيد المستبدّين تحت مظلةٍ واحدة، وزرعوا الفرقة بين رايات الحق، حتى غدا التائه في الأرض فاقدًا لبوصلته، يظنّ أن معركته مع أخيه، لا مع من يحتلّ أرضه ويصادر قراره.
نجحوا في ذلك سنواتٍ طوالًا؛ غذّوا الانقسام، ضخّموا الخلاف، حوّلوا التنوّع إلى تناحر. لكن ما حصل اليوم — بما فيه من وضوحٍ وقسوة — كشف الرؤية لمن أراد أن يرى. أمّا من أصرّ على العمى، فسيبقى أسير رواياتٍ تُكتب له في عواصم بعيدة، وتُباع له على أنها خلاص.
هذه الحرب ليست كسابقاتها؛ إنها حربُ وعيٍ قبل أن تكون حرب سلاح. مرهونة بالثبات: إمّا ثباتٌ واستمرار ووجود، وإمّا ضعفٌ وهوان وزوال. هنا تحقّ الكلمة: إمّا أن نكون أو لا نكون. ليس المطلوب انفعالًا عابرًا، ولا خطابًا عاطفيًا ينطفئ بانطفاء المناسبة، بل بناء وعيٍ متراكم يدرك أن المعركة الحقيقية هي على العقول قبل الحدود.
سلامًا لمن انقضّوا على طريق الحق وبذلوا كل شيء دون تردّد. التاريخ سيشهد، وإن لم تُنصف محكمة الأرض، فثمّة محكمة السماء، وقاضٍ لا خلل في ميزانه، حقٌّ عدلٌ لا يُردّ حكمه ولا يُشترى قراره.
دماء الشهداء لا تذهب سدى، ولا تكون عملةً في سوق المساومات السياسية. هي التي تنير الأنفاق المظلمة، وتبعث الروح في كل ما هو ميت، وتمهّد الطريق أمام أجيالٍ صاعدة أكثر وعيًا وأشدّ بصيرة. تمحو بالأحمر ما كُتب بالأزرق، وتعيد صياغة الذاكرة بما يليق بحجم التضحيات، وتذكّر الأمة بأن الثبات ليس خيارًا تكتيكيًا، بل قدرًا وجوديًا.
الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي؛ لأنه السلاح الأقوى، والأكثر فتكًا بمشاريع التفتيت. الوعي الذي يميّز بين خلافٍ طبيعي وتوظيفٍ خبيث، بين تنوّعٍ مشروع وفتنةٍ مصنوعة، بين صراعٍ حقيقي وصراعٍ مُصدَّر. الوعي الذي يفهم أن الدول الكبرى قد تختلف في العلن، لكنها تلتقي حين ترى في وحدة المنطقة خطرًا على مصالحها.
هنيئًا لمن فاز بالخلود الحقيقي ونال أعظم الرتب وحسن الخاتمة. وهنيئًا لأمةٍ تستفيق من سباتها، فتدرك أن أعظم ردّ على الاغتيال ليس الانتقام الأعمى، بل الوعي الذي يُحبط أهدافه ويُفشل رهاناته.
«قد يُغتال الجسد في لحظة، لكن الأمة التي تعي لحظتها لا تُغتال مرتين.»
