ما صدر ليس قراراً مالياً عابراً يُدرج في جداول الموازنات، بل بيان اتهامٍ مكتمل الأركان بحقّ سلطةٍ استنفدت رصيدها الأخلاقي والسياسي قبل أن تستنفد خزينتها. إنّه إعلان إفلاسٍ في المعايير قبل أن يكون عجزاً في الأرقام. ففي بلدٍ تُسحَق عملته يومياً، وتتحوّل ودائع ناسه إلى أطيافٍ ضائعة، ويقبع أكثر من أربعة أخماس شعبه في ظلال الفقر، فيما تُستنزف طاقته الشابّة ببطالةٍ فادحة، تمدّ الحكومة يدها بلا وجل إلى الجيوب الخاوية، كأنّها لم تجد في هذا الوطن مورداً إلا ما تبقّى من أنفاس مواطنيه. أيُّ استخفافٍ هذا بالعقول؟ وأيُّ استخفافٍ أدهى بالكرامات؟
لبنان اليوم ليس اقتصاداً متعثّراً فحسب، بل بنيةً منهكة تُدار بعقل الجباية لا بعقل الدولة. لا نموّ يُعتدّ به، لا قاعدة إنتاجية راسخة، لا صناعة تنافس، لا زراعة حديثة، لا رؤية تنموية تتجاوز ترقيع اللحظة. قطاع مصرفي متهدّم، تضخّم يلتهم الأجور كما تلتهم النار الهشيم، طاقة كهربائية غائبة، بنى تحتية متداعية، مرافق عامة في حال انحلال. ومع ذلك، بدل أن تُعلن السلطة مشروع إنقاذٍ جذريّاً يقتلع الفساد من جذوره ويعيد بناء الثقة، خرجت بقرارٍ يزيد النزف عمقاً: رفع ضريبة القيمة المضافة، وزيادةٍ فادحة على صفيحة البنزين.
إنها سياسة عقابية بحق شعبٍ لم يعد يملك ما يُقتطع منه. فالضرائب غير المباشرة، في اقتصادٍ هشّ، سيفٌ أعمى يضرب الفقير قبل الغني، ويُشعل دوّامة أسعارٍ لا تُبقي ولا تذر. البنزين ليس ترفاً استهلاكياً؛ إنّه شريان النقل والإنتاج والتوزيع، وكلّ زيادةٍ عليه تُترجَم تلقائياً إلى ارتفاعٍ في الغذاء والدواء والتعليم وسائر الخدمات. أمّا رفع الـ TVA، فليس سوى قرارٍ بتمويل الخزينة من موائد المتعَبين، وكأنّ العدالة الضريبية ترفٌ نظري لا مكان له في حسابات السلطة.
يُقال إنّ الغاية رفع رواتب القطاع العام والمتقاعدين بنسبةٍ معتبرة لإعادة شيءٍ من القيمة المتبخّرة. لكن أيّ منطقٍ اقتصاديٍّ رشيد يسمح بتمويل زيادةٍ عبر أدواتٍ تضخّمية تلتهم هذه الزيادة نفسها؟ إنها معادلة عبثية: تُعطي بيدٍ لتستردّ بالأخرى، وتُبقي المواطن في الحلقة المفرغة ذاتها. لا الموظف سينعم بتحسّنٍ حقيقيّ في قدرته الشرائية، ولا الفقير سينجو من موجة الغلاء التالية. إنّها عملية إعادة توزيعٍ للوهم لا للثروة.
الأخطر من الأرقام هو المنهج: منهج اللجوء إلى أسهل الخيارات وأكثرها ظلماً. لا إصلاح بنيوي للإدارة العامة، لا ضبط جادّ للهدر، لا استرداد منظّم للأموال المنهوبة، لا مكافحة فعلية للتهرّب الضريبي، لا إعادة هيكلة عادلة للنظام المالي تعيد توزيع الخسائر بإنصاف. فقط قرارٌ سريع بتحميل الناس كلفة الإخفاق المتراكم، كأنّ الشعب هو الخزنة الأخيرة بعد أن نُهبت سائر الخزائن.
هذه ليست إدارة أزمة، بل تعميقٌ لها. ليست سياسة مالية، بل جباية بلا عدالة. وليست معالجةً للعجز، بل توسيعٌ للهوة بين سلطةٍ معزولة وشارعٍ يغلي تحت وطأة الانهيار. إنّ الاستمرار في هذا النهج هو مقامرة خطرة ببنية اقتصادٍ منهارٍ أصلاً، وبسلمٍ اجتماعيٍّ هشٍّ بالكاد يتماسك. فالاقتصادات لا تنهار دفعةً واحدة، بل تتآكل حين تُستنزف الثقة، وحين يشعر الناس أنّهم يدفعون ثمن خطايا لم يرتكبوها.
التحذير هنا ليس تهويلاً، بل قراءة واقعية لمسارٍ شديد الخطورة: حين تُستفزّ المجتمعات في لقمة عيشها، وتُغلق أمامها أبواب العدالة والأمل، يتحوّل الصبر إلى غضبٍ كامن، والغضب إلى قوةٍ لا يمكن التنبّؤ بمآلاتها. الشرعية لا تُصان بقراراتٍ فوقية، ولا تُرمَّم بضرائب طارئة؛ إنما تُبنى بالثقة، والثقة اليوم تتآكل أسرع من العملة نفسها. فإذا استمرّ هذا النهج القائم على تحميل المجتمع تبعات فشلٍ بنيويٍّ مزمن، فإنّ الكلفة لن تكون اقتصادية فحسب، بل اجتماعية ووطنية، وقد تمسّ ما تبقّى من تماسك هذا الكيان المنهك.
عباس المعلم
