متيمون بقبائلنا وطوائفنا.. ونبغض سوريا!
رسالة من مواطن فلسطيني بسيط إلى الشعب السوري الأبي..
قال محمود درويش:
من أنا لأقول لكم ما أقول لكم
وأنا لم أكن حجرًا صقلته المياه فأصبح وجهًا
ولا قصبًا ثقبته الرياح فأصبح نايًا
أنا لاعب النرد ألعب حينًا وأخسر حينًا..
أنا مثلكم أو أقل قليلًا..
كتب أبو الأمير_القدس
حقق المشروع الصهيو-أمريكي هدفه الذي سعى إليه منذ عقدين على الأقل، وذلك بفرز أبناء الشعب السوري معنويًا وتقسيمهم إلى قبائل وطوائف متناحرة، تكريسًا لمخطط تقسيم سوريا ومن ثم ابتلاعها.
وبدلًا من أن يكون التنوع الحضاري لمكونات المجتمع السوري نقطة قوة تصبُّ في مصلحة البلاد في مواجهة المستعمر الطامع، أضحى نقطة ضعف؛ فباتت هذه المكونات “مختطفة” من ثلة زعامات طائفية وقبلية زرعها الصهيوني.
هذه الزعامات “راديكالية” جدًا في عداوة بعضها البعض، لكنها “براغماتية” و”موضوعية” و”سياسية محنكة” حين يتعلق الأمر بالعدو الصهيوني، تمامًا كما يحب الجولاني أن يوصَف من أتباعه لتبرير التطبيع والعمالة. بل ذهب بعض المحسوبين على الطائفة الدرزية إلى أبعد من ذلك، إذ ينادي عملاؤهم بأن يصبحوا جزءًا من الكيان الصهيوني.
الصهيوني يصول ويجول في سوريا، ينفذ الغارات والاعتقالات وينصب الحواجز، وها هي سلطات الأمر الواقع منشغلة بارتكاب المجازر بحق أبناء الشعب السوري، وخاصة من الطائفة العلوية التي أصبح ينادي بعض المشبوهين فيها بالحماية “الإسرائيلية”، بينما يطالب بعض المضطرين بـ “الفيدرالية” التي لن تفضي -إن حصلت- إلا إلى انقسام آخر وتفتيتٍ لسوريا.
فقر ودماء، خطف وتجارة أعضاء، اعتقالات ومزايدات وتراشق اتهامات؛ وكل طائفة في سوريا تعتبر نفسها “الناجية” الوحيدة المبشرة بالفردوس الأعلى، وتتفنن في الإساءة إلى الطوائف الأخرى وإهانتها على مواقع التواصل الاجتماعي. ووصلت الدناءة إلى حد شتم الأعراض؛ فإذا غصنا أكثر في قاع العالم الافتراضي المضمحل، سنجد عقلًا جمعيًا طائفيًا يرى في كل فتاة تنتمي لطائفته “ربة الصون والعفاف”، بينما يوصم فتيات الطوائف الأخرى بأبشع النعوت. تشهير، ذم، قذف، وإساءات.. ما هذا الجهل؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
لم أكتب هذا المقال ليرضى عنه الجميع، بل لأسمي الأمور بمسمياتها؛ إذ إن أخطر المكونات الدخيلة على المجتمع السوري هم أصحاب الفكر “الداعشي” الذي اخترق الطائفة السنية للأسف الشديد. الداعشي الصريح يتمنى قتل كل من خالفه في الطائفة، أما “السني” المخترق فكريًا بالداعشية -والذي يعتبر نفسه من النخبة المثقفة- فقد لا يقتلك بيده، لكنه يضمر في نفسه أمنية بأن يقوم الداعشي بالمهمة نيابة عنه.
وهنا يراودني سؤال: لماذا لم تشترط “حوريات الجنة” على طالبي ودّها سوى تفجير الكنائس والمساجد للقائهن؟ أشتهي لمرة واحدة أن تطلب هؤلاء “الحوريات” ممن يطلقون على أنفسهم اسم “أسود السنة” أن يوجهوا رصاصة واحدة نحو الصهيوني الذي يمضي قدمًا نحو احتلال سوريا!
لكن، ما هو الحل؟
هل يتوجب علينا الرضوخ لهذه الأصوليات التي حاصرت ثقافتنا الهشة من كل جانب، وتخنق وجودنا التاريخي العريق، لا سيما وهي مدججة بالسلاح المادي ومدعومة من أعتى القوى العالمية بطرق مباشرة وغير مباشرة؟
بالتأكيد لا؛ فبرغم التحديات الراهنة، لا يزال المجتمع السوري يذخر بالوطنيين الشرفاء، والنخب الواعية، والمثقفين العضويين (الملتزمين بقضايا مجتمعهم). فالقوى الحية في أي مجتمع عبر التاريخ دائمًا ما تنتج مثقفيها العضويين الذين يصيغون وعي مجتمعهم ويبلورون رؤيته للعالم ومشروعه الوطني. هؤلاء المثقفون العضويون هم في صراع دائم مع التيارات التي تسعى لتفتيت المجتمع وتقسيمه، وللأسف المثقف الكلاسيكي خذل العضوي وأضحى تابعًا ببغائيًّا لهذه الأصولية الكمبرادورية العميلة.
إن مهمة المثقف العضوي في سوريا تتطلب تجاوز الانقسامات وتعزيز اللحمة الوطنية. وبدلًا من الانجرار خلف الخطابات التي تزيد من الشرخ المجتمعي، ينبغي على النخب الواعية أن تكون حلقة وصل بين أبناء الوطن، تعمل على توحيد الصفوف وتوجيه الجهود نحو بناء مستقبل أفضل، لن يأتي دون دحر الصهيوني ومشروعه خارج منطقتنا.
الوطنيون السوريون الواعون لا يستسلمون لليأس؛ فبعد أن أدركوا حجم التحديات، باتوا يعلمون تمامًا ما يجب فعله. فهم يجب أن يكونوا مدركين للحل الذي يكمن في تأسيس “جبهة مقاومة وطنية سورية شعبية عابرة للطوائف“. وعندما نقول “عابرة للطوائف”، فلا نقصد مجرد التنوع الشكلي، بل نقصد الانتماء الصادق لهذا الفكر الوطني الجامع لكل السوريين من أعضاء هذه الجبهة التي سيكون همها الأول المقاومة المسلحة للعدو الصهيوني والإعلان عن نفسها بعملية تسبق بيانًا يؤكَّد به على وحدة سوريا وبوصلة فلسطين.
ومهمة هذه الجبهة تجاوز الأزمات من خلال نبذ التعصب والتطرف بكل أشكاله وألوانه. هذه الجبهة الوطنية مهمتها بالمقام الأول حمل السلاح والمضي قدمًا في مواجهة الصهيوني ولا أحد غير الصهيوني، إذ عليها الابتعاد عن أي احتكاك بعملاء الصهيوني إلى حين خلق حالة من الالتفاف الجماهيري الوطني من خلال الاشتباك مع الصهيوني.
إن مواجهة الصهيوني واستهدافه ليست هروبًا إلى الأمام من هذا الواقع الذي يفتت سوريا، بل هي استهداف مباشر لـ “الأب الروحي” والمهندس الحقيقي لهذا الواقع الأليم؛ ذاك الذي يسعى –كما ذكرنا آنفًا– لابتلاع بلادنا وتحويلها إلى أشلاء جغرافية تحقيقًا لمشروع “إسرائيل الكبرى”.
إننا نعتز ونفتخر بكافة الطوائف والقبائل السورية التي شكّل اندماجها وتفاعلها أعرق حضارة في العالم، في حين أنَّ تفرُّقَها وتشرذمَها كان المعول الذي هدم أركان هذه الحضارة السورية. لذا، وجبت الصحوة الآن وقبل فوات الأوان لإنقاذ ما تبقى من أشلاء هذا الوطن.
يا شرفاء سوريا.. صوبوا بنادقكم نحو الصهيوني، وعودوا إلى قبلتكم الأولى (فلسطين).
اغفروا لي حُزني وخمري وغضبي وكَلِماتي القاسية، بعضُكم سيقولُ بذيئة، ﻻ بأس؛ أروني موقفاً أكثر بذاءةً مِمّا نحنُ فيه !
