تعيش المنطقة لحظة فارقة تتقاطع فيها المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران مع تصاعد التوترات على امتداد الشرق الأوسط. وفي ظل احتمال التوصل إلى تفاهمات تقتصر على الملف النووي دون التطرق إلى القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي الإيراني، يبرز سؤال جوهري: هل تمثّل هذه التفاهمات مكسباً لإيران أم مقدمة لمواجهة شاملة؟ وما انعكاسات انتصار إيران أو هزيمتها على دول الإقليم؟
حصر التفاهمات في الجانب النووي فقط يعني عملياً أن واشنطن قبلت بأن ملفات النفوذ الإقليمي والصواريخ الباليستية غير قابلة للتفاوض حالياً. وهذا بحد ذاته مكسب استراتيجي لإيران، لأنه يكرّس حضورها في ساحات متعددة ويمنحها شرعية ضمنية كقوة إقليمية صاعدة، فيما تعتبره إسرائيل تهديداً وجودياً ينسف مشروع احتوائها المستمر منذ عقود. ومن هنا، تبدو تل أبيب الطرف الأكثر رفضاً لأي تفاهم، وقد تلجأ إلى التصعيد إذا شعرت بأن الاتفاق سيُمرّر.
لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا لو فشلت التفاهمات واندلعت الحرب؟ وكيف سيبدو الشرق الأوسط في حال انتصار إيران أو هزيمتها؟
في حال نشوب الحرب… سيناريوهان يحددان مستقبل المنطقة
اندلاع حرب واسعة بين إيران وإسرائيل، سواء بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة أو من دونها، لن يكون حدثاً عابراً. فنتائجها ستعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود. ويمكن تلخيص المشهد في احتمالين رئيسيين: هزيمة إيران أو انتصارها، وكل منهما يحمل تداعيات مختلفة جذرياً.
أولاً: إذا هُزمت إيران… شرق أوسط تقوده إسرائيل
هزيمة إيران لا تعني فقط سقوط خصم، بل تعني صعود إسرائيل كقوة مهيمنة بلا رادع. ستتراجع قدرة دول الخليج على المناورة، وستزداد الضغوط عليها للانخراط الكامل في منظومة أمنية تقودها تل أبيب. مصر ستواجه تضييقاً في هامشها الاستراتيجي، خصوصاً في البحر الأحمر وغزة وسيناء، بينما ستجد تركيا نفسها أمام ترتيبات إقليمية لا تراعي مصالحها، مع صعود إسرائيلي مدعوم أمريكياً.
أما العراق وسوريا ولبنان، فستتحول إلى ساحات لإعادة هندسة سياسية وأمنية وفق رؤية أمريكية – إسرائيلية، فيما ستتراجع القضية الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق، مع فرض “حلول نهائية” تحت عنوان السلام الاقتصادي. باختصار، هزيمة إيران ستفتح الباب أمام شرق أوسط جديد تُعاد صياغته من مركز واحد، وتفقد فيه دول الإقليم استقلاليتها الاستراتيجية.
ثانياً: إذا انتصرت إيران… شرق أوسط جديد متعدد الأقطاب
انتصار إيران في حرب إقليمية واسعة سيكون زلزالاً استراتيجياً يعيد رسم خريطة النفوذ. إسرائيل ستخرج من الحرب أضعف مما كانت عليه منذ تأسيسها، مع اهتزاز عقيدة الردع وتراجع الثقة الداخلية. دول الخليج ستضطر إلى إعادة صياغة علاقاتها الأمنية، والانتقال من موقع التابع إلى موقع الشريك في ترتيبات إقليمية جديدة تفرضها موازين القوة.
العراق وسوريا ولبنان سيشهدون صعوداً أكبر للقوى الحليفة لطهران، بينما ستعيد تركيا تموضعها أمام قوة إيرانية صاعدة. مصر ستواجه واقعاً إقليمياً جديداً يفرض ترتيبات مختلفة في غزة وسيناء والبحر الأحمر. أما الولايات المتحدة فستجد نفسها أمام خسارة استراتيجية كبرى، فيما تتقدم الصين وروسيا لملء الفراغ.
الأهم من ذلك أن انتصار إيران قد يفتح الباب أمام نشوء تحالفات إقليمية بديلة تتجاوز الاصطفافات التقليدية. تحالفات تقوم على المصالح المشتركة لا على التبعية، وتعيد دول الإقليم من موقع “المتلقي” إلى موقع “الفاعل” في نظام عالمي جديد يتشكل على أنقاض النظام القديم. فالعالم يشهد تحولات كبرى في موازين القوى، ومع انتصار إيران قد تجد دول المنطقة نفسها أمام فرصة تاريخية للانتقال من الهامش إلى قلب المعادلة الدولية، عبر شراكات جديدة مع الشرق، وتوازنات مختلفة مع الغرب، وتفاهمات إقليمية تعيد تعريف الأمن الجماعي بعيداً عن الهيمنة الأحادية.
الخلاصة
التفاهمات النووية قد تمنح إيران مكسباً سياسياً كبيراً وتثير قلق إسرائيل، لكن فشلها قد يدفع المنطقة إلى حرب لا تشبه ما سبقها. هزيمة إيران ستفتح الباب أمام شرق أوسط تقوده إسرائيل، بينما انتصارها سيؤسس لشرق أوسط جديد متعدد الأقطاب، وقد يطلق تحالفات إقليمية بديلة تعيد دول المنطقة إلى موقع الفاعل في نظام عالمي يتشكل من جديد.
وبذلك يصبح العنوان أكثر دقة من أي وقت مضى:
انتصار إيران يغيّر التوازن… لكن هزيمتها تغيّر الإقليم.
د. سائد عساف
ه فبراير ٢٠٢٦