” ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة” من هذا الاقتباس ربما يختزل الوعي في ريعان الحكيم المولود في مدينة اللد 2/ آب/ 1926 حيث ترعرع في ربوع المدينة وتلقى تعليمه الابتدائي هناك ثم أكمل دراسته في مدينة يافا ومن ثم في القدس وقد عمل مدرسا بعد تخرجه من الثانوية قبل ذهابه لدراسة الطب في بيروت كان الحكيم جورج حبش كأي شاب لديه الطموح في الدراسة واستكمال متطلبات الكلية ليصبح
طبيب
ويمارس الحياة وأنشطتها كأي إنسان، لكن الحكيم وبعد نكبة فلسطين وما تخللها من أحداث وكذلك على صعيد حياته الشخصية حين دفن أخته في حديقة المنزل وقت
احتلال مدينة اللد- حيث كان يعمل مسعفا في عيادة البلدة- وقعا كبيرا في نفسه وفي فكره ومن المؤكد بأن الحدث لم يفارقه طيلة حياته ومن هنا وقبل الحديث عن شخصية الحكيم وانتمائه العميق للأرض المحتلة، يتجسد الحدث مع الحكيم الحدث ذاته مع الجموع في هذا العالم وليس فقط في فلسطين، لكن الحكيم أدرك معنى الثورة والنظرية التي تقود للثورة.
الحكيم بين دراسة الطب والحركة الطلابية:
يظهر الحكيم جورج حبش الطالب المميز في كلية الطب، والذي توقع له مدرسيه مستقبلا مشرق بناء على كفاءته في التعليم وكذلك لنشره أوراق بحثية خلال مرحلة الدراسة، لكن الحكيم كان يدرك معنى أن يكون هناك حركة طلابية غير معزولة عن واقعها خارج أسوار الجامعة، ويذكر بأن الحكيم كان يتابع في شكل دوري المحاضرات واللقاءات في جمعية “العروة الوثقى” التي شكلت الأساس في وعي الحكيم مع رفاقه الأوائل الذين فيما بعد ترأسوا تلك الجمعية، وقد شهدت ساحات الجامعة الأمريكية، هتافات الحكيم ورفاقه على مدار سنوات دراسته وقد أسس “منظمة الشباب العربي” عام 1951 والتي أصدرت أول مجلة لها تحت عنوان “الثأر” ومن ثم انبثقت عنها حركة القوميين العرب.
حركة القوميين العرب :
شكل الحكيم مع رفاقه من كافة الأقطار العربية أمثال: وديع حداد- الفلسطيني الاستثنائي- وهاني الهندي وأحمد الخطيب وحامد الجبوري وآخرين النواة الأساسية لحركة القوميين العرب كالرد الفعلي على النكبة الفلسطينية ومن خلال الانتماء القومي العميق للأمة العربية استطاعت حركة القومين العرب أن تتواجد في معظم الأقطار العربية التي تسعى للتحرر من الاحتلالات المختلفة على أرضها وقد شكلت حركة القوميين العرب شعلة في درب التحرر -على سبيل المثال- في اليمن العربي،
وفي الجانب الفلسطيني تشكلت أجنحة عسكرية للحركة، منها شباب الثأر، سعى الحكيم ورفاقه من خلال حركة القوميين العرب أن تكون مظلة وحجر أساس في الوطن العربي وكان لتنظيراتها وقع كبير في تلك المرحلة وقد شهدت الحركة إعلان الوحدة العربية بين مصر وسورية وكان لهذا الحدث أثر عميق في فكر الحكيم وشخصه وكان من أكبر الداعمين لهذا الإعلان ويذكر التاريخ الأثر الذي خلفه الانفصال عام 1961 في شخص الحكيم ،وما زال حين ذكر الحكيم تكون الفكرة الخالد والنواة الأساسية في تكوينه حركة القوميين العرب.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين:
بعد نكسة عام 1967 وما خلفته هذه الهزيمة في الواقع حينها أدرك الحكيم
ورفاقه خطورة الموقف مما استوجب لتأسيس “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” في تاريخ 11/12/1967 لتكون منارة جديدة وطريقا يسلكه حبش والرفاق الأوائل وليكن الاسترشاد في
النهج
الماركسي هو الفصل الجديد في هذه الجبهة مع التأكيد أولا وأخيرا، بأن القضية قومية عربية أممية، وهذا ربما ما يغفله العديد ممن انهمك في التحليل الماركسي وتناسي أصل القضية والصراع القائم عربي- صهيوني، وربما هذا من إحدى الأزمات التي عصفت في هذه الجبهة منذ تأسيسها والانفصالات التي حدثت داخلها وهذه الأزمة ما زالت تطفو على سطح في العديد من المناقشات وفي فكر الرفاق داخل الجبهة الشعبية، وأذكر هنا في مقال قد كتبه منذ مدة “بين الهوية الجامعة والهويات القاتلة” تناولت فيه جانبا من الأزمة في الجبهة الشعبية.
نضال الحكيم وحق العودة:
“لن أعود إلى فلسطين
إلا بعد عودة آخر لاجئ فلسطيني” ربما يعتبر البعض هذا الشعار مجرد شعار، أو جملة قيلت وفقط، لكن حين من يكون قائلها الحكيم جورج حبش تدرك صدق هذه الجملة وأحد المبادئ الأساسية عند
الجبهة الشعبية والحكيم على وجه الدقة فقد صدق في قوله وفعله وبقي في المنفى لاجئ لن يعود إلا بعودة فلسطين، وقد شهدت ساحات النضال من الأردن إلى بيروت والشام والأقطار العربية والعالم على صوت الحكيم الصادح في الميادين وفعله الثوري.
كلمة الحكيم للشباب العربي والفلسطيني:
من مقولات الحكيم الخالدة في الوعي الأممي والعربي “إن خير ما تقدموه للقضية الفلسطينية هو نضالكم ضد أنظمتكم الرجعية” في هذه الكلمات نستطيع أن نلمس جزء من النظرية الثورية التي خطها الحكيم في الفهم العميق للخريطة السياسية
وتحديد معسكر الأعداء في الاستراتيجية التنظيمية للجبهة الشعبية، وفي هذه الجملة ربط عميق بين الوعي الثوري
والفعل الماركسي الثوري الحقيقي، فالأنظمة الرجعية لا تدور سوى في فلك الإمبريالية والبرجوازية العميلة، وهي جملة أسست للعديد من الجبهات والأحزاب اليسارية في الوطن العربي معبرة عن ضرورة التغير الجذري في الوطن العربي بل المنطقة برمتها لتحرير الأرض العربية، وهي تأتي فيما أسلفت في سياق النهج الثوري للشعبية والربط بين الداخلي والخارجي، أي بمعنى التحرر ومقاومة هذه الأنظمة هو جزء من مقاومة العدو.
أما في حديث الحكيم للجيل الشاب: “إن أهم ما يمكن أن أنقله للأجيال الصاعدة هو خلاصة تجربتي، وما احتوته من دروس، سواء كانت دروس الإخفاق أو النجاح، عليهم أن ينطلقوا من حيث وصلنا.” وهنا دعوة مفتوحة دوماً لأن تكون مجلدات وكتب الجبهة الشعبية، ودراسات الحكيم ومذكراته أرضية تنطلق منها الأجيال لفهم السياق التاريخي للصراع والسير به نحو المستقبل دون إعادة التجربة أو الركود الذي نشهده في بعض الساحات العربية في وقتنا هذا، رغم التقدم الذي أحرزته الإمبريالية والتوسع في منطقتنا. وهنا لا نقدم الجبهة الشعبية على إنها الحزب الوحيد القادر على إحداث التغير، لكن قراءة الوقائع فهي تنم على وجود مجهود فكري عظيم لدى الجبهة الشعبية، في حين أغلب الفصائل إما أن تنتهج من الشعبوية أرضية أو من استخدام الدين كوسيلة سياسية للانطلاق دون أدنى مسؤولية فكرية تؤسس حقاً لمجتمعات قادرة على إحداث التغير وشق طريق التحرر.
الحكيم والصراع الصهيوني:
“الثورة الفلسطينية قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن” هذه الجملة الشهيرة للحكيم كانت في خضم النقاشات في م.ت.ف حول اتفاقية أوسلو والتي عبرت الجبهة والحكيم عن رفضها القاطع لها، تظهر الرؤية لدى الحكيم عن الثورة، وكذلك مقولة “إن النضال ضد المشروع الصهيوني قد يستمر مئة عام وأكثر، فعلى قصيري النفس التنحي جانبًا” وقد حاولت إسرائيل مرات عديدة اعتقاله وقتله، كان أبرزها محاولة اختطاف طائرة من بيروت في 10 أغسطس 1973
الحكيم وحركات التحرر:
لم يكن الحكيم والجبهة الشعبية منغلقة على نفسها في مسألة الأرض والشعب والثورة، فقد شكلت الجبهة قنوات اتصال عديدة مع حركات التحرر في المنطقة وكانت داعمة لها في ظل الفهم العميق للصراع، وفي هذا نذكر جبهة البوليساريو، وكذلك الدعم للثورة الإسلامية في إيران، وحزب الله في لبنان والذي جمعتنا معه وحدة الدم والمصير في الأرض العربية، وكذلك دعم اليمن و”أنصار الله” ضد العدوان السعودي الإماراتي، وكذلك دعم الدولة السورية والوقوف معها ومع جيشها العربي على طول سنوات الحصار والحرب الكونية عليها.
ويأتي هذا في ظل النهج الثوري للجبهة الشعبية القائم على الثورة الشاملة على معسكر الأعداء.
أين نحن اليوم من الجبهة الشعبية وحكيم الثورة؟
في ظل الأزمة الفكرية التي تشكل الهوية الفكرية، لا بد من الوقفة مع الذات والعودة لحركة القوميين العرب والمبادئ الأساسية لها، فهي التجربة الأنجع، وهي من ستلتقط هذه الفوضى والسير بالجماهير على بداية الطريق للتحرر العربي، وليس هذا ضرباً من وحي الخيال، فإن النقد الذاتي عليه أن يسفر بواحدة من النتائج العديدة ” بإن توحيد العرب هو مدخل تحرير فلسطين ودمجها مع محيطها العربي ، وإن تصفية حركة القوميين العرب ، وقطع الطريق على تحولاتها الممكنة باتجاه حركة قومية ثورية منحازة للطبقات الشعبية، وبمضامين ديمقراطية إنسانية وبأفق إشتراكي ، تستلهم التراث، وتتكأ على المعاصرة… هو في النتيجة العامة : تصفية للذاتي القومي التوحيدي ، بما هو واحد من أهم حلقات التعبير المنظم عن قومية الشارع العربي ووحدويته العالية بالتواكب مع تصفية الروابط الأصيلة بين القضية والمشروع القومي حاضنتها وطريق خلاصها ” وهنا كانت الجبهة الحركة الثورية، لكن الانغماس العميق في الفكر الماركسي دون الفهم العميق والممارسة الثورية الحقيقية أدى إلى أزمة في الجبهة الشعبية ، وهذه الأزمة ليست حصراً على الجبهة فهي مشكلة اليسار العالمي برمته، وهذا يأتي ضمن الحرب الفكرية التي تخوضها المنظومة الرأسمالية و الصرف المالي التي تقدمها لليسار بديلاً عن الردايكالية فيصبح اليسار راديكالياً بالشكل ومتواطئاً في المضمون. ولعل مراكز الأبحاث اليسارية في منطقتنا شاهدة، كتلك التي تدار من دويلة قطر.
إن كنا حريصين حقاً على النظرية الثورية التي خطها الحكيم والجبهة الشعبية، علينا دوماً أن نذكر نشيد الجبهة الشعبية الأول، وألا نهمل البعد القومي للقضية حتى لا تبقى بيد من يروج لها كمشروع وطني برجوازي، أو آخر يراها إمارة إسلامية، وهذه المشاريع تصب في مجرى الهيمنة الإمبريالية والتي أدت إلى تشكيل ما يدعى ” مجلس السلام ” وما سيترتب عليه من نتائج أهمها: تصفية القضية الفلسطينية، وفصل قطاع غزة عن عمقه الفلسطيني وخصوصًا الضفة الغربية، وبهذا قطع الطريق حتى على تشكيل كيان أو دولة
فلسطينية.
رحيل الحكيم:
في تاريخ 26/1/2008 رحل الحكيم عن عالمنا على أثر نوبة قلبية حادة. وفي الختام نستذكر إحدى كلمات الراحل: “في النهاية أقول إن جيلنا حاول أن يقوم بواجبه بصورة جيدة… فالهدف في النهاية ليس حماية الرأس، وإنما عدم تبديد خبرة أعوام وعقود وتضحيات لا يمكن تعويضها.” -“الوحدة، ثم الوحدة، ثم الوحدة، وإن فلسطين هي الهدف.”
محمد البربراوي_القدس/سورية الكبرى
