القضيّة ليست السلاح بل الأرض
بقلم:ناصر قنديل/الجمعة 2026/01/23

– ذكر الرئيس نواف سلام تاريخ العام 1969 معتبراً أنه تاريخ فاصل بين مرحلتين، مرحلة كان فيها سلاح الدولة أحادياً في جنوب الليطاني ومرحلة كان فيها سلاح لغير الدولة، تحت عناوين مختلفة من مقاومة الاحتلال، وكان آخرها المقاومة التي حرّرت الجنوب بعد 17 سنة من ولادة اتفاق 17 أيار من رحم التفاوض كخيار استراتيجي، وحمت الجنوب بين عامي 2006 و2023 حتى نعم الجنوبيون بما يحلمون اليوم ببعض يسير منه. ويقدّم رئيس الحكومة هذا التحول الذي وصفه بالتاريخي بصفته إنجازاً يستحق الاحتفال، وإذا كان كل لبناني يحب بلده يفرح بقوة جيشه، فلا شك في أن الخلاف مع رئيس الحكومة ليس حول انتشار الجيش الذي يحمل السلاح وحده في جنوب الليطاني، ووفقاً لما يعرفه رئيس الحكومة وتحدث عنه رئيس الجمهورية في حواره مع جريدة الشرق الأوسط فإن هذا الإنجاز تم بالتعاون الإيجابي الكامل من المقاومة وليس رغماً عنها، لكن هل يستطيع رئيس الحكومة الاحتفال، وهل يستطيع رئيس الجمهورية التحدّث عن إنجاز، جوهره أننا لا نطلق أي طلقة من جنوب لبنان ولا يوجد أي سلاح إلا سلاح الدولة، بينما الاحتلال خلال سنة كاملة يقتل ويدمّر ويهجّر ويتوسع ويحتل ويعلن أنه لن ينسحب وأن طائراته لن تغادر أجواء لبنان، ولا يوجد في الأفق ما يقول إن هذه الحال سوف تتغير حتى لو امتد هذا المشهد، أننا لا نطلق أي رصاصة ولا سلاح إلا بيد الدولة على مساحة كل لبنان.

– يمتنع أي مسؤول في الدولة عن الجواب على سؤالين، السؤال الأول هو لماذا لا ينفع حصر السلاح بيد الدولة في سورية، السلاح الذي يزعج “إسرائيل” وليس كل السلاح، وتستمرّ الاعتداءات ويتوسع الاحتلال، رغم عدم وجود أي مقاومة وأي سلاح تطلب واشنطن وتل أبيب نزعه؟ وهل تستند الثقة الزائفة بأن كل شيء سوف ينتهي مع حصر السلاح إلى معطيات؟ وكل شيء يقول عكس ذلك، “إسرائيل” لا تُخفي أنها لم تعد تقبل بالقرار 1701 والأميركي ينقل ويتبنى الدعوة للتوقف عن الحديث عن اتفاق الهدنة، فهل يلتزم المسؤولون اللبنانيون بذلك، والمطلوب واضح وهو الأرض، والسلاح مطلوب قبلها لتسهيل الوصول إليها، المطلوب منطقة بلا سكان تحت السيطرة الإسرائيلية بعمق 5 كيلومترات، وتليها منطقة عمل أمني إسرائيلي مع شرطة لبنانية وبعدها ينتشر الجيش بشروط تضعها “إسرائيل”، وأجواء مباحة للطيران الحربي الإسرائيلي، ويكفي الحصول على نسخة من الاتفاق الأمني السوري الإسرائيلي لمعرفة ما سيحدث في جنوب لبنان، فماذا عسانا نفعل مع الأرض ولندع حديث السلاح جانباً، فإن كان خيارنا تسليم الأرض لشراء الرضا والأمن الزائف للحكم لا للشعب، يصير حديث السلاح واجباً، وإن كان الخيار التمسك بالسيادة الكاملة على الأرض، صار حديث السلاح مؤذياً وحديث الاستراتيجية الدفاعية هو الواجب، فهل من يجيب؟

– عندما نعرف أن الإسرائيلي رسم استراتيجية لغزة ولبنان وسورية تقوم على نظريّة الأحزمة الثلاثة، وهو لا يستطيع خرقها في أي جبهة لأنها تسقط في سائر الجبهات، تماماً لاعتبار رفضه خط الرابع من حزيران عام 1967 ذاته كخط للانسحاب من الجولان السوري في مفاوضاته مع الدولة السورية قبل سقوط النظام، لأن القبول بذلك يسقط شرعية اتفاق وادي عربة واتفاق كامب ديفيد اللذين قاما على رفض خط الرابع من حزيران لضمان شرعيّة احتلال غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، التي تقع ضمن خط الرابع من حزيران، وسقوط خطة الأحزمة الثلاثة مع لبنان تعني نزع الشرعيّة عن الاحتفاظ بجبل الشيخ وحزام شرق غزة، والسؤال إذا أردنا الحفاظ على الأرض ماذا نفعل غير الحوار حول خطة مواجهة سياسية دبلوماسية وإن اقتضى الأمر عسكرية، أو ما أسماه رئيس الجمهورية في خطاب القسم بالمناقشة العامة لوضع استراتيجية وطنية ومن ضمنها خطة للدفاع الوطني.

– إذا كانت الواقعية السياسية التي يتحدث عنها البعض سوف تأخذنا للقبول بترتيبات حدودية على حساب السيادة، ونحن نسمع من يتحدّثون عن روما الجديدة، والقدر الذي لا يرد، فنحن نكرر مأساة 1983 اتفاق 17 أيار، ويومها وقبيل السير بالاتفاق التقى الرئيس أمين الجميل برئيس حركة أمل يومها رئيس مجلس النواب نبيه بري وسأله رأيه فقال له أنصحك بالدعوة لمؤتمر وطني ولا تتحمل وحدك مسؤوليّة خيار وطني مصيريّ بهذا الحجم، فسأله الرئيس أمين الجميل وماذا سوف تقول إن كنت في هذا المؤتمر، فأجابه سوف أرفض طبعاً، وكانت التتمة التي نعرفها جميعاً، والتي لخص أهم ما فيها الرئيس الجميل بعد مرور عقود في كتاب يوميّاته عن رئاسته بالقول، “إسرائيل” لا تريد الانسحاب وأميركا لا تضغط على “إسرائيل”، فهل نتعظ؟

– السؤال الأخير، لرئيس الحكومة والوزراء الذين نسمع بعضهم يقول إن الحل هو بالعودة إلى ما قبل عام 1969، هل يعلمون فعلاً كيف كان الحال قبل العام 69، حسناً من باب أخذ العلم سجلوا أن الحال كان شبيهاً بما يريد استعادته الاحتلال اليوم، منطقة بعمق عدة كيلومترات تطفئ الأضواء على توقيت يقرره الجيش الإسرائيلي وهو عموماً الساعة الثامنة ليلاً، وحظر التجوال بعدها بقرار إسرائيلي، تتوغل دوريات الاحتلال إلى جسر الخردلي وإقامة حواجز وخطف الناشطين والتحقيق معهم في المخافر اللبنانيّة بعد السطو عليها وتقييد عناصر الشرطة اللبنانيين، وقد حدث هذا مع الراحل حبيب صادق، والمرشح الدكتور أحمد مراد، وتقفل حواجز الجيش اللبناني وتمنع حق التنقل بين المناطق اللبنانية الحدودية وسائر أطراف الجنوب، ويحصر الدخول عبر حواجز الجيش على جسور نهر الليطاني بأبناء المناطق الواقعة جنوب النهر، ويحتاج سواهم للعبور إلى تصريح مسبق، بسبب ضغط الاحتلال لفرض هذا الشرط، الذي يقول بعض الضباط السابقين إنه كان يتم تمرير الأسماء المطلوب التصريح لها للجنة الهدنة لأخذ موافقتها، وعلى الأرجح أن الموافقة كانت تأتي من جيش الاحتلال، ولأن الجنوبيين ثاروا على هذا الوضع وجد الاحتلال الحل بتهجيرهم، لكنه يريد من دولتهم التوقيع على صك الملكيّة وصك التهجير، فهل علينا أن نخشى من أن هذا سوف يحدث؟ هل مَن يطمئن اللبنانيين إلى أن هذا لن يحدث؟