قسد من الوظيفة إلى الأضحية : كيف باع الأمريكيون حليفهم الكردي ؟
بقلم: د. بسام أبو عبد الله
حسم توم باراك الأمر، بكل وضوح و علانية بقوله أن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في مواجهة تنظيم داعش قد انتهى ، في ضوء تغير الوضع الأمني في سوريا وقدرة الحكومة السورية على تولي المسؤوليات الأمنية ، ويبدو أن هذا الكلام هو ما قاله في إجتماع أربيل مع مسعود البرزاني ، وأوضح أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لكرد سورية في إطار الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من أجل أن يكونوا جزءا” من الحل السياسي والأمني ضمن الدولة السورية ، و وصف العلاقة بين دمشق و”قسد” بأنها فرصة لحوار سياسي ، و أن وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد” يمكن أن يمهد لحوار سياسي أوسع ويدعم وحدة سورية .
أولاً – لم يكن انهيار موقع قوات سورية الديمقراطية حدثاً مفاجئاً أو وليد لحظة عسكرية خاطفة، بل نتيجة مسار طويل من التوظيف السياسي والأمني انتهى بانتهاء الحاجة إليه. فمنذ نشأتها، لم تُبنَ قسد كقوة تمثل مشروعاً كردياً سورياً مستقلاً، بل كأداة وظيفية ضمن الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، هدفها الأساسي كسر تنظيم داعش، وإضعاف الدولة السورية السابقة، ومنع اكتمال الجغرافيا الإيرانية بين طهران والبحر المتوسط، وضبط السلوك التركي عبر ورقة ضغط حدودية قابلة للتفعيل أو التعطيل.
ثانياً – ما تغيّر فعلياً هو البيئة الدولية والإقليمية التي كانت تمنح هذه الوظيفة معناها . فواشنطن، وفق ما خلصت إليه مراكز بحوث أمريكية بارزة مثل “راند” و“كارنيغي”، أعادت تقييم وجودها في سورية باعتباره عبئاً استراتيجياً محدود الجدوى ، في مقابل أولوية التفرغ للصين وروسيا، وترميم العلاقة مع تركيا كحليف أطلسي لا يمكن الاستغناء عنه . وفي هذا السياق، لم تعد قسد أصلاً استراتيجياً، بل عائقاً أمام تسوية أوسع مع أنقرة ، ومع السلطة الجديدة في دمشق التي باتت تُقرأ أمريكيا”بوصفها نظاما” طيعا”، مطيعا” ينفذ ما يطلب منه ، ويخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
ثالثاً – تشير تحليلات غربية وإسرائيلية متقاطعة إلى أن المشروع الأكبر الذي جرى تفضيله على حساب قسد هو مشروع إعادة هندسة سورية ضمن توازنات إقليمية جديدة، يكون فيها النفوذ التركي حاضراً بقوة في الشمال، والنفوذ الإسرائيلي مؤمَّناً استراتيجياً من الجنوب، مع دولة سورية منزوعة القدرات، والاستقلالية الوطنية النسبية ، وقابلة للضبط عبر الاقتصاد والعقوبات والتفاهمات الأمنية. في هذا المشهد، لم يعد هناك مكان لكيان مسلح ذي صلة تنظيمية وعقائدية بحزب العمال الكردستاني، لأنه يهدد هذا التوازن أكثر مما يخدمه.
رابعاً – داخلياً ، كانت قسد تعاني من تصدعات بنيوية عميقة. فمراكز أبحاث تركية وغربية تحدثت بوضوح عن صراع تيارات داخلها: تيار عقائدي عابر للحدود يرى في قسد امتداداً لمشروع إقليمي أوسع، وتيار براغماتي سوري الطابع يسعى لتحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة للأكراد داخل الدولة السورية. هذا الصراع لم يبقَ نظرياً، بل انعكس شللاً في القرار، وتآكلاً في الشرعية، وارتباكاً في العلاقة مع الحاضنة المحلية، العربية والكردية على السواء.
خامساً – أحد أخطر عوامل الانهيار السريع لقسد كان فقدانها العمق الاجتماعي العربي. فالدراسات الأمريكية التي تناولت شرق الفرات بعد 2023 أجمعت على أن نموذج الحكم الذي فرضته قسد، القائم على القوة الأمنية والتمثيل الشكلي، فشل في بناء عقد اجتماعي حقيقي، ما جعل العشائر العربية تنفضّ عنها عند أول اختبار جدي. ومع خروج دير الزور والرقة من معادلة الولاء، تحولت قسد إلى كيان معزول جغرافياً وبشرياً، مكشوف من الداخل، ومحدود القدرة على المناورة.
سادساً – في هذا السياق، لم يكن “التخلي الأمريكي” عن قسد خيانة أخلاقية بقدر ما كان سلوكاً نمطياً في السياسة الدولية . فمراكز التفكير في واشنطن تتعامل مع القوى المحلية بوصفها أدوات مرحلية، تُستخدم طالما تؤدي وظيفتها، وتُستبدل أو يضحّى بها حين تتغير الأولويات. وقد استُخدمت قسد بأقصى طاقتها ضد النظام السابق، وضد داعش، وضد خصوم واشنطن الإقليميين، ثم جرى الانتقال إلى مرحلة إدارة النتائج ، لا حماية الأدوات.
سابعاً – مستقبل قسد بات اليوم مرهوناً بصراع تيارين داخلها: تيار يدرك أن اللحظة التاريخية لم تعد تسمح بالمواجهة ، ويسعى إلى تسوية شاملة مع دمشق تضمن الحد الأدنى من الحقوق السياسية والثقافية للأكراد داخل الدولة السورية ، وتيار آخر يراهن على تعطيل هذه التسوية عبر التصعيد الأمني ، أو إعادة إحياء فزاعة داعش ، أملاً في استدعاء التدخل الخارجي من جديد. وترجح معظم التقديرات الغربية أن انتصار التيار الثاني سيقود إلى خسارة كاملة، لا لقسد فقط، بل لما تبقى من فرص القضية الكردية في سورية .
ثامناً – الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة قسد ، وغيرها من التشكيلات هو أن الارتهان للخارج، مهما بدا مغرياً، لا يصنع مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة. فالأكراد في سوريا، كما تشير تحليلات أكاديمية غربية، يملكون فرصة تاريخية للاندماج في مشروع وطني سوري جديد، لكن هذه الفرصة تضيع كلما جرى استبدال السياسة بالسلاح ، والحقوق بالمحاور، والمواطنة بالوظيفة.
تاسعاً – أما الدرس الأوسع للسوريين عموماً، فهو أن القوى التي تُستخدم لتفكيك الدولة لا يُسمح لها لاحقاً ببناء دولة. وأن منطق “الاستقواء” بالخارج ينتهي دائماً بإعادة إنتاج التبعية ، لا بالتحرر. وما جرى لقسد ليس استثناءً، بل نموذجاً صارخاً لمسار يتكرر في المنطقة بأشكال مختلفة.
أخيرا” – تقف قسد اليوم عند مفترق حاسم : بين من يرى في التسوية خسارةً ، ومن يدرك أن الخسارة الحقيقية هي الاستمرار في إنكار التحولات الكبرى . النتائج باتت واضحة : المشروع الوظيفي انتهى، والدعم الخارجي تبدد، والانقسام الداخلي تعمق. وما سيُحسم في المرحلة المقبلة لن يكون مصير تنظيم مسلح فحسب، بل شكل العلاقة بين الأكراد والدولة السورية لعقود قادمة، وكذلك طبيعة الدولة السورية نفسها : هل ستكون دولة تسويات عقلانية ، ودولة مواطنة، وقانون ، أم ساحة لصراعات مؤجلة ، وكامنة ،
لأنه بقدر ما أن درس الاعتماد على العامل الخارجي مهم ل قسد ، فهو نفسه يجب أن يكون أكثر أهمية للسلطة الحاكمة في دمشق بعيدا” عن لغة الفتوحات ، والانتصارات، فلولا العامل الخارجي أيضا” لما كان هناك فتوحات ،وانتصارات مزعومة ، وعلى من !!! هذا هو السؤال الكبير .
