بيان فلسفي ثوري في تفكك المركز وانهيار الوهم الأوروبي

عبدالباسط هارون الشهيبي

نحن نعيش اليوم لحظة سقوط الوهم الكبير:
وهم أن أوروبا هي مركز التاريخ والعقل، وأن ما عداها ليس سوى هوامش بلا معنى، أو أطراف بلا ذات ولا حق في إنتاج المعنى.
هذا الوهم لم يكن يومًا نتيجة تفوّق أخلاقي أو إنساني، بل كان بناءً أيديولوجيًا متعمدًا، صاغته فلسفة إقصائية، ثم فُرض بالقوة، وتحوّل بفعل التكرار والقهر إلى “حقيقة” كونية مزعومة.

منذ القرن الثامن عشر، شرعت الفلسفة الأوروبية في تأسيس تقسيم معرفي للعالم لا يقوم على الكونية، بل على التراتبية الصارمة.
إيمانويل كانط، في كتاباته الأنثروبولوجية، لم يتحدث عن “الإنسان” بوصفه كائنًا كونيًا، بل صنّف البشر أخلاقيًا وعقليًا، واضعًا الأوروبي في قمة الهرم، ومعتبرًا غيره أقل استعدادًا للعقل والتمدّن.
هكذا، لم يعد العقل أداة تحرّر، بل تحوّل إلى حدٍّ جغرافي، وإلى امتياز حضاري محصور في المجال الأوروبي.

ثم جاء هيغل ليحسم هذا الإقصاء فلسفيًا بصورة فجّة حين أعلن في محاضرات فلسفة التاريخ:
«إفريقيا خارج التاريخ، وليس لها حركة أو تطوّر».
بهذا الحكم، لم يُقصِ قارة كاملة من السردية الإنسانية فحسب، بل صادر الزمن نفسه، ومنح أوروبا احتكار الحركة والتاريخ والمعنى، وكأن البشرية لا تتقدّم إلا عبرها.

أوروبا لم تكتفِ بالهيمنة… ⁉️ بل أعادت تعريف العالم❗️

لم تكن الهيمنة الأوروبية مجرد توسّع عسكري أو نهب اقتصادي، بل كانت قبل ذلك مشروعًا معرفيًا شاملًا لإعادة تعريف العالم.
كما كشف ميشيل فوكو، فإن المعرفة ليست بريئة ولا محايدة؛ إنها أداة سلطة، وشكل من أشكال السيطرة الناعمة التي تسبق السيطرة الخشنة.

أوروبا لم تكتب عن “الآخر” لتفهمه، بل لتُعيد إنتاجه كموضوع خاضع، وككيان ناقص يحتاج إلى إدارة وإصلاح وهيمنة.
فأعادت:
• تعريف التاريخ من منظورها
• تصنيف الشعوب وفق قربها أو بعدها عن النموذج الأوروبي
• وضبط ما هو “عقلاني” وما هو “بدائي”

وفي هذا السياق، يفضح إدوارد سعيد، في الاستشراق، الكيفية التي صُوّر بها الشرق والعالم العربي بوصفه:
جامدًا، عاطفيًا، غير عقلاني، عاجزًا عن حكم ذاته، محتاجًا دومًا إلى وصاية غربية.
الاستشراق لم يكن جهلًا بالشرق، بل معرفة منحازة، مصمّمة بعناية لتبرير السيطرة وإدامتها.

العالم العربي: التخلف بوصفه جريمة استعمارية

إن الواقع العربي المتخلّف والمجزّأ لا يمكن فهمه خارج سياقه التاريخي الاستعماري.
ليس فشلًا ذاتيًا، ولا نتيجة نقص ثقافي أو ديني، بل نتاجًا مباشرًا لبنية عالمية صاغتها أوروبا لمصلحتها.

كما يوضح سمير أمين، فإن التخلف في الأطراف ليس حالة طبيعية، بل نتيجة بنيوية لتوسع الرأسمالية الأوروبية التي:
• دمّرت الاقتصادات المحلية
• حوّلت المجتمعات إلى أسواق تابعة
• ومنعت تشكّل تنمية مستقلة

التقسيمات الاستعمارية لم تُجزّئ الأرض فحسب، بل كسرت الوعي التاريخي، وقطعت الاستمرارية الحضارية، ثم جرى تحميل الضحية مسؤولية الدمار، في قلب انقلاب أخلاقي فجّ.

التخلف: مفهوم مُنتَج لا قدر تاريخي❗️

في هذا السياق، يصبح التخلف مفهومًا مُنتجًا، لا توصيفًا بريئًا.
فكما حلّل سمير أمين، التخلف في العالم العربي ليس تأخرًا زمنيًا عن أوروبا، بل نتيجة إدماج قسري وغير متكافئ في نظام عالمي صُمّم ليُبقي المركز مركزًا، والطرف تابعًا.

تفكيك البُنى الاقتصادية، تقسيم الجغرافيا، إعادة إنتاج نخب وظيفية، ليست أخطاء تاريخية، بل شروط هيمنة.
والنتيجة لم تكن فقط فقرًا مادّيًا، بل شللًا سرديًا: عجزًا عن إنتاج رواية ذاتية للتاريخ.

أزمة أوروبا اليوم: أفول السردية وانكشاف العجز

ما نشهده اليوم ليس انتصارًا أخلاقيًا للعالم، بل انكشافًا كاملًا لفراغ المركز الأوروبي.
أوروبا التي ادّعت الكونية لم تعد قادرة على إنتاج معنى جامع، ولا على فرض قيمها خارج حدودها، ولا حتى على إدارة تناقضاتها الداخلية.

السلوك الأمريكي المعاصر يكشف ذلك بوضوح فاضح.
الولايات المتحدة، خصوصًا في عهد دونالد ترامب، لم تُعامل أوروبا كحليف حضاري، بل ككيان تابع، مادة للسخرية والابتزاز السياسي والاقتصادي.
تم تحطيم أوهام “الشراكة المتكافئة”، وكُشفت أوروبا بوصفها تابعًا استراتيجيًا فاقدًا للقرار.

ثم جاءت الحرب الروسية في أوكرانيا لتُكمل الانكشاف.
أوروبا لم تكن فاعلًا، بل ساحة.
دفعت ثمن الحرب اقتصاديًا، وطاقويًا، واجتماعيًا، بينما القرار الحقيقي ظل خارجها.

وفي المقابل، يبرز الصعود الصيني بوصفه الضربة القاضية للوهم الأوروبي.
الصين، التي كانت تُقدَّم بوصفها “تلميذًا” في النظام العالمي، أصبحت مركزًا اقتصاديًا وصناعيًا وتكنولوجيًا.
وأوروبا اليوم لا تُعلّم الصين، بل تهرول إليها، تفاوضها، وتبحث عندها عن الخلاص.

هذه الهرولة ليست تحوّلًا دبلوماسيًا، بل اعترافًا ضمنيًا بانهيار الغطرسة، وبأن أوروبا لم تعد مركز العالم، بل إحدى ساحاته.⁉️

نهاية الاحتكار الأوروبي للتاريخ

بهذا المعنى، لم تكن أوروبا مركزًا بحكم الواقع، بل بحكم التعريف.
ومن يملك تعريف التاريخ، يملك سلطة إخراج الآخرين منه.

اليوم، ومع تفكك هذا الاحتكار، تنهار الصورة التي رسمتها أوروبا لنفسها عبر قرون من التدمير والاستغلال للشعوب العربية والإسلامية والإفريقية، بل ولكل ما سمّته “العالم الثالث”.

الفقر، والمرض، والتخلف لم تكن يومًا دليلًا على همجية تلك الشعوب، بل شواهد دامغة على همجية المشروع الاستعماري ذاته.

ومع أفول هذا المركز، يُفتح أفق جديد:
أفق استعادة التاريخ، لا بوصفه امتيازًا أوروبيًا، بل ملكًا مشتركًا للبشرية.