في اللحظات التاريخية المفصلية، لا تنهار الدول بالضربة القاضية، بل بالتفكيك البطيء. لا تسقط بالمدافع، بل بتآكل المعاني، وانسحاب القانون، وتحويل العنف من استثناء إلى قاعدة، ومن وسيلة قمع إلى نظام إنتاج.
إن ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن فهمه عبر حدث منفرد، ولا عبر أزمة نقدية معزولة، ولا عبر مجزرة هنا أو إعلان استثماري مريب هناك، بل عبر قراءة المشهد ككلٍّ واحد، تتشابك فيه الجريمة المنظمة مع هندسة اقتصاد الظل، في مشروع غسل أموال مرعب، مع صناعة مستمرة لوهم الاستقرار.
الإنسان السوري يعيش اليوم في بيئة أمنية قائمة على الخطف والقتل والإخفاء القسري والمجازر المتكررة، بغض النظر عن الأسباب. وفي هذا الواقع، يزداد نشاط سارقي الأجساد البشرية.
فحين يغيب الفرد بلا أثر، وحين تُمحى هويته من السجل العام، وحين يُغلق باب السؤال بفبركات إعلامية صارخة وسيناريوهات خارجة عن المنطق، لا يسعنا إلا أن نقول إن الغياب ليس نتيجة، بل هو ضرورة ووسيلة لتمرير مشروع أخطر؛ بل هو شرط أساسي لذلك.
هذا الغياب شرط أساسي لمشروع سرقة الأعضاء. وهذا المشروع، على الرغم من أن مجرد التفكير به يضعنا في حالة من الذهول، إلا أنه أيضًا وسيلة وليس نتيجة؛ هو وسيلة لبناء اقتصاد ظل قائم على غسل أموال البلاد، بأقذر الوسائل والأساليب، وجعلها مرتهنة اقتصاديًا وسياديًا لصالح جهات أجنبية متعددة.
في نموذج كهذا، لا تُدار العملية داخل حدود الدولة فقط؛ فالدور التركي يظهر هنا بوصفه قناة لوجستية وتنظيمية: شبكات نقل، حدود مفتوحة، شركات واجهة، وممرات مالية وتجارية تُسهّل حركة القيمة غير المعلنة. لا يعني ذلك أن التركي يدير هذا المشروع بشكل مباشر في كل تفصيل، مع أن دوره مباشر في تفاصيل كثيرة، ولكن الدور الرئيسي يتمثل في تهيئة البيئة التي تسمح بتدفق المال والبضائع والواجهات ذات الأصول القذرة دون مساءلة حقيقية.
أما الدور الصهيوني المنسّق والمنظّم والمسؤول، فيُقرأ ضمن منطق تفكيك الدولة السورية دون إسقاطها شكليًا؛ فإن نجاحه في إقامة اقتصاد ظلّ قوي في دولة مجاورة كسوريا يعني نجاحه في جعل هذه الدولة عاجزة تمامًا عن إعادة بناء جيشها، أو قرارها، أو اقتصادها الإنتاجي. وكلما طال أمد الفوضى المُدارة، تآكلت السيادة دون حاجة مستقبلية إلى خوض حرب تقليدية.
ليست المسألة تجارة أعضاء بحد ذاتها، بل تحويل الدولة إلى كيان وظيفي بلا أفق سيادي.
ويأتي هنا الدور الخليجي – وخاصة القطري – كلاعبٍ مهم؛ بوصفه غطاءً ماليًا واستثماريًا ناعمًا: ضخ سيولة عبر واجهات، تمويل مشاريع مُعلنة بلا أثر فعلي، وتوفير مظلة علاقات تُسهّل تسويق “الاستقرار” خارجيًا. هنا لا تُبنى مصانع، بل تُبنى سرديات، والهدف ليس الإنتاج، بل إدارة الصورة التي تتيح مرور المال وحمايته.
لذلك، وفي ظل هذا الحكم الأمني الشامل، يجب على السوريين أن يدركوا أن الخطف لم يعد وسيلة ترهيب فقط، وأن المجزرة لم تبقَ فعلًا انتقاميًا، بل تحولت هذه الممارسات إلى بنية لإنتاج الغياب. هذا الغياب يُستثمر لاحقًا اقتصاديًا عبر شبكات ظلّ، داخلية وعابرة للحدود، حيث يُعاد تحويل الجريمة من فعل دموي إلى مورد مالي صامت. هنا تبدأ المرحلة الأخطر: حين لا يقتل العنف الإنسان فقط، بل يُنتج قيمة.
غير أن الجريمة، مهما بلغت وحشيتها، تبقى محدودة الأثر إن لم تُستثمر. القتل وحده يخلق صدمة وذاكرة تاريخية ومطالبة بالعدالة. أما حين يُربط القتل بغسل الأموال، فإن الجريمة تخرج من زمنها، وتدخل في الاقتصاد، وتصبح قابلة للتكرار.
المال الناتج عن الجسد الغائب لا يُدفن مع الضحية، بل يُعاد تدويره في عقارات أو تجارة أو شركات واجهة، وأنشطة تبدو مدنية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها أصلًا قذرًا لا يُسأل عنه. في هذه اللحظة، لا يعود الاقتصاد ضحية للجريمة، بل وسيطًا لاستمرارها.
تمرير مشروع واسع لغسل الأموال في بلد كسوريا لا يمكن أن تكون تبعاته محلية فقط؛ فسوريا هنا، بحكم موقعها وتشابكاتها، تتحول إلى منصّة عبور إلى الإقليم ككلّ، فالمال المغسول يبحث دائمًا عن أسواق أوسع، وقنوات أكثر أمانًا، وأنظمة أقل مساءلة. وهكذا تتسرّب الآثار إلى الإقليم، وتتحول الجريمة من مشكلة داخلية إلى خلل عابر للحدود، ويكون المستفيد الوحيد هو حلف العدو الممتد من تل أبيب إلى واشنطن مرورًا بأنقرة.
الدولرة هنا لا تظهر كخيار اقتصادي طبيعي، بل كأداة سياسية. حين يغرق الاقتصاد بالمال القذر، تفقد العملة الوطنية وظيفتها بوصفها وعاءً للثقة. لا يُدّخر بها، ولا يُراهن عليها، ولا تُستخدم لتثبيت القيمة. يتحول الدولار، أو أي عملة صلبة، إلى ملاذ افتراضي، لا لأنه أفضل اقتصاديًا، بل لأنه أكثر قابلية لإخفاء المصدر. وبهذا المعنى، لا تكون الدولرة نتيجة الانهيار فقط، بل إحدى أدواته.
وحين تُسحب السيادة النقدية من الدولة، تُسحب معها قدرتها على التحكم بالتضخم، وعلى إعادة البناء، وعلى اتخاذ قرار مستقل.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة خطوة إطلاق عملة جديدة، مع حذف صفرين من العملة القديمة، بوصفها إجراءً بريئًا. فتغيير العملة في بيئة غير مستقرة هو دائمًا فعل سيادي بالغ الخطورة. والأخطر في هذه العملية ليس الحذف بحد ذاته، بل الانتقائية؛ فغياب فئة الخمس ليرات، والتي كان من المفترض أن تعادل فئة الخمسمئة ليرة القديمة، ثم فجأة — وبعد إطلاق العملة — يزداد حضور فئة الخمسمئة ليرة القديمة في السوق بشكل كبير؛ فهذا ليس مسألة تصميم نقدي، بل مؤشر على إدارة موجّهة للسيولة.
دعونا نبسّط الأمر أكثر: في الاقتصادات المنهكة يُستخدم حذف الأصفار أحيانًا، لا لضبط التضخم، بل لإعادة تسمية المال. الورقة عمليًا تكون نفسها، لكنها تحمل قيمة جديدة، وبلا ذاكرة.
ضخ فئات محددة يسمح بتمرير كتل نقدية مخزّنة أو غير مفسَّرة إلى التداول اليومي بهدوء، دون صدمة، ودون مساءلة.
العملة الجديدة هنا لا تُطرح لبناء الثقة، بل لإدارتها مؤقتًا، ريثما تُستكمل عملية نقل القيمة الحقيقية إلى الخارج.
أما الإعلانات المتكررة عن استثمارات أجنبية، والتي يتبيّن لاحقًا أن معظمها وهمي أو غير ذي كفاءة أو بلا أثر فعلي، فلا يمكن فهمها كفشل إداري فقط. هذه الإعلانات تؤدي وظيفة محددة بعناية، وهي صناعة وهم الاستقرار.
الشركات الوهمية لا تُعلن لتبني اقتصادًا، بل لتبرر حركة المال، وتمنح غطاءً شكليًا لضخ السيولة، وتخلق انطباعًا بوجود نموّ لا يحتاج إلى إنتاج. الاقتصاد، في هذه الحالة، لا يُدار عبر المصانع والمشاريع، بل عبر السردية.
وسط كل ذلك، يبدو ثبات سعر صرف الدولار نسبيًا مفارقة صارخة. ففي أي اقتصاد يعاني كل هذا التفكك، يُفترض أن يكون سعر الصرف متقلبًا وعنيفًا. لكن الثبات هنا لا يدل على صحة، بل على تحكم.
إن استقرار السعر ضمن هامش ضيق يسمح بإدارة السوق اليومية، ويُسهّل إعادة تدوير المال المغسول، ويمنح المواطنين وهم الطمأنينة، دون أن يعكس توازنًا حقيقيًا بين الإنتاج والطلب؛ إنه استقرار مُدار، وليس طبيعيًا البتّة.
حين تُجمع هذه العناصر كلها في صورة واحدة، تتضح الملامح: اقتصاد لا ينتج، وعملة لا تُبنى عليها الثقة، واستثمارات لا تُنجز، وعنف لا يُحاسَب بل يُستثمر، ودولة لا تملك أي سيادة.
في هذا النموذج، لا تعود سوريا دولة بالمعنى الكلاسيكي، بل وظيفة؛ مساحة مفتوحة لإدارة الفوضى، وتدوير الجريمة، وتعطيل المستقبل.
النتيجة النهائية ليست فقط تدمير الحاضر، بل إغلاق أفق التعافي. القتل يدمّر المجتمع، لكن غسل الأموال يدمّر إمكانية إعادة بنائه. الجريمة حين تدخل الاقتصاد لا تنتهي بتوقف العنف، بل تستمر كشرط لبقاء المنظومة التي نشأت حولها. وهنا تكمن الخطورة القصوى: حين يصبح إنهاء الجريمة تهديدًا لبقاء نظام الحكم نفسه، ولهذا لن نشهد توقفًا للجريمة.
يُتبَع …
جيفارا الساحل – الساحل السوري / سورية الكبرى
