السياسة بمنطق اللحم والمرق
د. فريد عبد الجبار ولد علي
20/1/2026
في الحكايات الشعبية، كثيرًا ما تُقال الحقيقة عبر الرمز لا عبر الخطابة. وقصة السايس واحدة من تلك المرايا التي تكشف الجوهر مهما تنكّرت الألقاب.
يقال إن رجلاً دخل بلدة وهو يعلن أنه “سياسي”، فسمعه الملك وقرر قسراً أن يجعله سايساً للخيل، مقابل وجبتين من الأرز واللحم والمرق. ومع التهديد والإكراه، امتثل الرجل. ولم تمضِ أيام حتى اكتشف أن فرس الملك، رغم أصالتها، لم تُربَّ تربية الخيل، بل تربية البقر، فكانت تأكل مُطَأْطِئَة الرأس، وتحك جسمها بالجدران بدلاً من الركض في الميدان. فأكرمه الملك وزاد في عطائه وجبة أخرى من اللحم والمرق. ثم أُجبر على يسوس الملكة، فاكتشف أنها تحمل أخلاق الملوك ولكنها ليست سليلة ملوك. فغضب منه الملك وحبسه وقطع عنه الطعام، ولما سأل أباها عن الأمر، أخبره أن ابنته ماتت صغيرة وعثر زوجة الملك تائهة في الغابة بعد رحيل الغجر، فاتخذها بنتا مكان ابنته. وحين سأل الملك السايس كيف عرف أمر الملكة، أخبره أنها حين تتحدث تغمز بعينها وهي من عادات الغجر يتغامزون عندما يتكلمون. فأعجب الملك بفطنته، وأكرمه بخروف مشوي. وأخيرًا، حين طُلب منه أن “يسوس” الملك نفسه، كانت الخلاصة الأخطر، أن الملك ليس من سلالة ملوك. وحين طلب الملك الحقيقة من أمه، اكتشف أن الملك السابق كان عقيما وأن أباه الحقيقي هو طباخ القصر. وحين سأل السايس كيف عرف أصله، أجابه، ان الملوك تكافئ بالذهب والفضة، والعطايا الجزيلة، وأما هو فيعطي لحما ومرقاً، فاذا غضب عاقب بقطع الطعام.
هذه الحكاية تبدو اليوم أقرب إلى مقال سياسي منها إلى قصة تراثية، خصوصًا إذا أسقطناها على تصرفات الرئيس الأمريكي. فترامب، رغم جلوسه على مقعد الرئاسة، كثيراً ما يتصرف لا كزعيم دولة، بل كتاجر صفقات. فهو لا يقيس السياسة بمعايير القيم أو التحالفات أو القانون الدولي، بل بمنطق الربح والخسارة. بالنسبة له السلام يمثل مشروع استثماري. والتحالف صفقة قابلة للإلغاء. والمبادئ عرض مؤقت إلى أن تتغير شروط السوق.
فكرة “مجلس السلام” المشروط بدفع مليار دولار، مثال صارخ على هذا المنطق. السلام هنا ليس التزاماً أخلاقياً أو مسؤولية دولية، بل عضوية مدفوعة الثمن. من يدفع يبقى، ومن لا يدفع يُستبعد. وكأن الاستقرار العالمي برنامج اشتراك، لا قيمة إنسانية.
الأخطر من ذلك هو الاستعداد العلني للتخلي عن خطاب السلام نفسه، فقط لأن جائزة نوبل لم تُمنح له. فحين يصبح السلام وسيلة لا غاية، وحين تُربط المبادئ بالمكافآت، فنحن لا نكون أمام رجل دولة، بل أمام تاجر خسر مناقصة فهدد بالانسحاب من السوق.
الخلاصة أن السلوك يفضح الأصل، كما في قصة السايس، فالفرس كشفت تربيتها من طريقة أكلها، والملكة كُشف أصلها من إيماءاتها، والملك انكشف حقيقته من طريقة عطائه وعقابه. كذلك، فإن سلوك ترامب السياسي يكشف منطقه الحقيقي، منطق السوق لا منطق الدولة. قد يرتدي بدلة رئيس، ويتحدث بلغة القوة، لكنه في النهاية يقيس العالم بميزان الربح، لا بميزان المسؤولية.
وفي السياسة، كما في الحكايات القديمة، الألقاب لا تصنع الملوك، بل أفعالها من تصنعها. والمشكلة ليست فيمن يجلس على العرش، بل في المنطق الذي يحكمه. فالسلطة التي تُدار بلا قيمة أخلاقية تتحول إلى قوة عارية، مهما تلحّفت بالألقاب. وفي النهاية، لا يفضح الأصلَ التاريخُ ولا الخطاب، بل السلوك حين يُترك بلا أقنعة.
