باكس سيليكا: إمبراطورية السيليكون… حين يُعاد إنتاج الهيمنة الأمريكية بثوبٍ تكنولوجي
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى
«القوة التي تفشل في فرض سيطرتها بالسلاح، تبحث دائماً عن أدوات أكثر خبثاً.»
في الثاني عشر من كانون الأول/ديسمبر 2025، عُقد في العاصمة الأمريكية واشنطن المؤتمر الأول لما سُمّي بـ “باكس سيليكا” (Pax Silica)، في خطوة لا يمكن قراءتها بوصفها مبادرة تعاون تقني عابرة، بل كمحاولة مدروسة لإعادة إنتاج نظام هيمنة عالمي جديد، في لحظة تاريخية تتهاوى فيها التحالفات التقليدية التي شكّلت عماد النفوذ الغربي طوال العقود الماضية.
المبادرة أُعلنت على أنها إطار للتعاون الأمني والتكنولوجي بين مجموعة من الدول، ضمّت في مرحلتها الأولى: الولايات المتحدة، الإمارات العربية المتحدة، الكيان الإسرائيلي، اليابان، جمهورية كوريا، سنغافورة، وأستراليا، قبل أن يُعلن لاحقاً عن انضمام دولة قطر، مع توجيه دعوات مفتوحة إلى الهند، وتايوان، والاتحاد الأوروبي، وكندا، وهي أطراف لم توقّع حتى الآن.
الاسم… حين يكون المصطلح اعترافاً صريحاً بالهيمنة.
اختيار اسم “باكس سيليكا” لم يكن بريئاً ولا محايداً. فكلمة Pax، أي “السلام” باللاتينية، لم تُستخدم تاريخياً إلا لوصف سلام تفرضه قوة مهيمنة على العالم:
باكس رومانا: من 27 قبل الميلاد حتى 180 بعد الميلاد
سلام الإمبراطورية الرومانية المفروض بالسيف والإدارة العسكرية.
باكس بريتانيكا: من 1815 (بعد هزيمة نابليون) حتى 1914
سلام الإمبراطورية البريطانية القائم على السيطرة البحرية والتجارية.
باكس أمريكانا: من 1914 تقريباً حتى مطلع الألفية الثالثة
سلام الولايات المتحدة المفروض بالقوة العسكرية والاقتصادية والمؤسسات الدولية.
واليوم، تُستبدل الجيوش بالشرائح الإلكترونية، والدبابات بالخوارزميات، ليولد مفهوم “السلام السيليكوني” القائم على التحكم بسلاسل التوريد، والبيانات، والمعادن النادرة، والعقول.
إنه سلام بالقوة التكنولوجية، تقوده واشنطن، وتشكّل فيه “إسرائيل” القاعدة المتقدمة، لا الشريك المتكافئ.
لماذا الآن؟ ولماذا واشنطن؟
يأتي الإعلان عن هذا التحالف في لحظة دقيقة:
تصدّع غير مسبوق في حلف الناتو
تآكل سياسي واقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي
أزمات بنيوية داخل مجلس التعاون الخليجي
حروب مفتوحة في أوروبا
وصدام استراتيجي شامل بين الولايات المتحدة والصين
في هذا السياق، لا تبحث أمريكا عن تحالفات جماعية واسعة، بل عن شبكات وظيفية انتقائية، تضم دولاً:
تملك المال
أو التكنولوجيا
أو الموقع الجيوسياسي
أو الاستعداد للتماهي مع المشروع الأمريكي
قطر: من وسيط مُعلن إلى شريك في مشروع الهيمنة
إغفال دور قطر في قراءة هذا التحالف يُفقد التحليل جوهره.
فقطر، التي قدّمت نفسها لسنوات بوصفها:
دولة “وسيط”
وراعية لحوارات إقليمية
ومعلنة لخطاب عدائي تجاه الكيان الإسرائيلي
تظهر اليوم، بانضمامها إلى “باكس سيليكا”، وقد أسقطت القناع بالكامل.
هذا الانضمام لا يمكن تفسيره باعتباره خطوة تقنية أو اقتصادية محضة، بل هو:
اصطفاف سياسي واضح
قبول عملي بالكيان كشريك في مشروع استراتيجي
مساهمة مباشرة في مبادرة تُدار من واشنطن وتخدم أهدافها
الحديث عن “دور وساطة” يتهاوى هنا، لأن الوسيط لا ينخرط في تحالفات أمنية وتكنولوجية مع أحد أطراف الصراع. وما جرى يؤكد أن ما كان يُدار في الخفاء خرج إلى العلن.
الإمارات وقطر: لماذا تُضخَّم “الدول الصغيرة”؟
وجود الإمارات وقطر، مقابل غياب دول ذات ثقل تاريخي وجغرافي كـمصر أو السعودية أو تركيا، ليس صدفة.
الدول الصغيرة:
أسهل احتواءً
أسرع قراراً
أقل كلفة سياسياً
وأكثر استعداداً لدفع المال مقابل “الضمانات”
وهنا يبرز سؤال بالغ الخطورة:
هل يُراد لهذه الدول أن تلعب دوراً أكبر من حجمها الطبيعي في النظام العالمي القادم؟
وهل يُستخدم هذا “التمكين” الوظيفي كجزء من إعادة رسم الخرائط السياسية للمنطقة؟
الهدف الحقيقي: الصين أولاً… ثم الجميع
الخطاب الأمريكي الرسمي يتحدث عن:
إعادة رسم سلاسل التوريد
حماية البنى التحتية الرقمية
الاستثمار المشترك
لكن جوهر المبادرة هو محاصرة الصين، القوة الاقتصادية التي تسيطر على الجزء الأكبر من المعادن النادرة اللازمة لصناعة الشرائح والتكنولوجيا المتقدمة.
ومن يتأمل خريطة الدول المشاركة والمدعوة، يدرك أننا أمام قوس تطويق استراتيجي لبكين. وهو أمر لم يغب عن صناع القرار الصينيين، الذين تحدثوا عنه مبكراً، وبدأوا فعلياً ببناء بدائل مضادة.
“إسرائيل”: القاعدة لا الشريك
الكيان الإسرائيلي ليس مجرد عضو في هذا التحالف، بل هو:
مركز تكنولوجي
مختبر أمني
قاعدة متقدمة للمشروع الأمريكي
ومن هنا، فإن مشاركة دول عربية في مبادرة يكون الكيان في قلبها، لا يمكن تبريرها بأي خطاب سياسي أو أخلاقي.
خلاصة المشهد
“باكس سيليكا” ليست مبادرة سلام، ولا تحالف تعاون، بل إمبراطورية رقمية قيد التشكّل، تسعى إلى:
تعويض تراجع القوة العسكرية الأمريكية
السيطرة على مفاصل المستقبل التكنولوجي
استخدام المال الخليجي لتمويل مشروع الهيمنة
إن قراءة هذه التحولات ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية، خصوصاً لشعوب المنطقة العربية، لأن من لا يفهم كيف يُدار العالم، يصبح مادة خاماً في مشاريعه.
«الإمبراطوريات لا تسقط حين تُهزم عسكرياً، بل حين تنكشف حقيقتها… وحلف الطمع، مهما غيّر أسماؤه، يبقى حلفاً ضد الإنسان.»
https://www.state.gov/pax-silica
