في مقاله “اقتراحٌ متواضع”، 1729م، يقترح الكاتب الأنجلو-إيرلندي جوناثان سويفت طريقةً لتخفيف معاناة الفقراء الاقتصادية تتلخص ببيع أطفالهم للأثرياء كطعام لذيذ، “فالطفل الصغير السليم الذي يحظى برعاية جيدة، في عامه الأول، يُعدّ طعاماً لذيذاً ومغذياً وصحياً للغاية”.
كان هذا النص الكلاسيكي بمنزلة نقد لاذع، يسخر من معاملة الأثرياء في إنجلترا وإيرلندا للفقراء في القرن الثامن عشر، ولم يكن المقصود منه أن يكون دليلاً إرشادياً.
لكن ترامب ومعه جمهور عريض من الجمهوريين والمحافظين تبنّوا فكرته الرئيسية، وهي إثراء الأثرياء لأنفسهم على حساب الفقراء، حتى لو اقتضى الأمر بعض الكوميديا السوداء المُغلّفة بغطرسة القوة، المتذرعة بالدفاع عن قيم العدل والحرية!
فغزو فنزويلا واختطاف رئيسها، لا يُمثّل فقط، خروجاً فظاً جذرياً آخر عن النظام العالمي، بل عملاً عدائياً سافراً غير مُبرّر، مبنياً على ذرائع واهية، يفتح الباب على احتمالات مُرعبة من العواقب العالمية الخطيرة التي قد تترتب على السكوت عنه.
فعِوضاً عن تقديم حلول حقيقية لمشاكل العالم التي يدّعي السعي لحلها، يستخدم السيد ترامب منطقاً إحصائياً بارداً ومُتعمداً للوصول إلى نتيجة مروّعة تُظهر عبثية التعامل مع البشر كسلع، وتتحرك بنوازع ارستقراطية وقسوة لا مبالية مصحوبة بتصنع وغرور، في مقابل شيوع الفقر والعوز والقتل والدمار.
إن إنهاء الفقر عن طريق “التهام الأطفال” الذي عبّر عنه الكاتب سويفت “مجازاً”، هو ما يسعى ترامب خلفه “حرفياً” في العالم؛ في قطاع غزة، في فنزويلا في لبنان وفي إيران وغيرها.
إنه باختصار انفلات القوة المجنونة التي تلتهم “الأطفال” بنيّة مُسبقة وتخطيط ممنهج وذرائع جاهزة؛ إنهم “يطورون سلاحاً نووياً فلنتخلص منهم”، إنهم “يُعيقون مشاريعنا فلنتخلص منهم” “إنهم يبيعون المخدرات فلنتخلص منهم”…!
برّر ترامب، المسكون بسيكولوجيا الكوميديا السوداء، عملية قرصنته السافرة على فنزويلا باعتبارها جزءاً من الحرب على تهريب المخدرات، وأعلن أن الولايات المتحدة باتت “مسؤولة عن إدارة فنزويلا” وعن الإشراف على إعادة بناء قطاع النفط.
بل ذهب أبعد من ذلك حين أكد أن “هذه عملية نُفِّذت في إطار “مبدأ مونرو” الذي ينصّ على أن نصف الكرة الغربي يقع ضمن نطاق النفوذ الأميركي، وأن على القوى الأوروبية عدم التدخل في شؤون أميركا اللاتينية.
في حين ذهب وزير خارجيته روبيو إلى ادعاء أن مادورو “شخص دعا إيران إلى بلاده ولعب ألعاباً وظنّ أن شيئاً لن يحدث، لكن ترامب رئيس أفعال لا أقوال، وأقول للجميع: لا تلعبوا ألعاباً عندما يكون هذا الرئيس في المنصب”.
ولم ينسَ سفير الولايات المتحدة في “إسرائيل” مايك هاكابي، أن يذكّرنا “بالعلاقة بين شبكة الجريمة في فنزويلا والشرق الأوسط؛ قائلاً “إنها أكثر مما تظنون، فحزب الله متجذّر هناك ومموّل من إيران، وإسقاط مادورو خبر جيد للعالم كله وحتى لنصف العالم الموجود هنا”…!!
طبعاً، هذا كله ولم نذكر بعد شيئاً عن “جوقة” المُهللين في تل أبيب الذين رحّبوا بخطوة ترامب الهجومية، معتبرين أنها ضرورية في ساحات أخرى كذلك”.
تُشرّع أميركا، بسلوكها المُنفلت نهب ثروات العالم عن طريق “التهام أطفالهم”، فمن يأكل الآباء (الأرض والمقدرات)، حريٌّ به أكل الأبناء (أصحاب الأرض)، وهذا بالضبط ما يفعله ترامب ومن صفقوا وهللوا لمغامراته. إنه الجشع والعبثيّة التي تُقَدَمُ لحلّ قضايا العالم وصراعاته وتتعاطى مع البشر كسلعٍ مادية لا قيمة لها.
يسعى ترامب صراحة لتثبيت مشروعه لإقامة نظام عالمي جديد يتماشى مع رؤية المحافظين الجدد عبر تسخير موارد العالم البشرية والاقتصادية والطبيعية لخدمة أميركا، والاعتراف بحق واشنطن في التصرف كما تشاء، وإحياء نظام قديم يقوم على التبعية، وإلغاء مفهوم الدول المستقلة واعتبارها ولايات أميركية من دون أن تتحمل هي نفقات إدارتها.
فكما يتبنى “سويفت” شخصية “المُبادر” الذي يُقدم “حلًا” جذرياً لمشكلة الفقر عبر استهلاك أطفال الفقراء، مُظهِراً كيف أن السياسات واللامبالاة تجاهلتهم حتى أصبحت المعاناة نفسها “تلتهمهم” مجازياً، يفعل ترامب الشيء ذاته مع من يعارضه ويعارض مشاريعه الاستثمارية التوسعية، فلماذا لا “يلتهمهم”؟ يهاجم ترامب قادة الدول وزعماءها، ويشير صراحة إلى أن في نيته أن “يلتهم” بالفعل الأرض والنفط والمقدرات، لكن ليس قبل أن “يلتهم” أصحابها (مادورو) كي يخلو له الطريق…!
ثم إن ترامب الذي يفاخر، ومن حوله، بأنه أتى بما لم يأتِ به الأوائل، يهدف من خلال هذا الفعل الاستفزازي، إلى جعل الشعوب تشعر “بالشفقة” على الفنزوليين والغزيين واللبنانيين والإيرانيين “الفقراء، المضطهدين….”.
إنه ببساطة يقترح عليهم حلاً مفاده أنه “سيأكل أولادهم” (زعماءهم وأرضهم ومقدراتهم) لمواجهة الظروف “الصعبة” التي يعيشونها.
إنها سخرية تامة تُظهر تهافتَ المنطق المحض في التعامل مع مشكلات المجتمعات البشرية؛ إنها دعوة صريحة لأن تأكل البشرية أطفالها، بل أن يأكل بعضها بعضاً، وأن يأكل الاغنياء الفقراء، وان يأكل الأقوياء الضعفاء… ما دام المال وحده هو الشيء المهم، فكل ما يريده السيد ترامب هو المال، وبما أننا نعجز عن إيجاد طريقة معقولة لجعل هؤلاء الناس “أثرياء وسعداء”، أعتقد أن الوقت قد حان يا سيد ترامب “لتأكلهم”!.
نعم ترامب قادم، وإن كنتم تعتقدون أن هذه مجرد فوضى عارمة يصنعها في فنزويلا، فأنتم لم تروا شيئاً بعد، ولستَ بحاجةٍ لأن أكون عبقرياً فذاً لأقنعكم أن المال والنفط هما مُحرّكه الأول والأخير.
تخيلوا القطاع وفنزويلا وكوبا ولبنان وإيران، وغيرنلاند والقائمة تطول، مُعاد تصميمها كنوع من “ريفييرا ترامب”، مدن متألقة مترامية الأطراف، تجمع بين منتجعات ومراكز مؤتمرات ووكالة سيارات فيراري وملاذ مصرفي خارجي ومرسى لليخوت ومنتجعات صحية فاخرة!.
لكن هذه ليست القضية الأساسية، لأننا، هناك في فنزويلا وهنا في غزة وفي أماكن أخرى كثيرة في قائمة “لائحة طعام ترامب”، ندخل واقعاً جديداً حيث لم تعد الملكية مرتبطة بالمكان بالطريقة القديمة، ولا الهوية بالأصالة، ولا العادات بالمناظر الطبيعية. ليس فقط في غزة وفنزويلا، بل في الحاضر والمستقبل، في كل مكان.
لأن الجميع سيملكون أسهماً في شركات العقارات في جميع أنحاء العالم، نعم سنمتلك جميعاً أجزاءً من غزة وفنزويلا وغرينلاند، إلى جانب سكانها، فيا لسعدنا ويا لمستقبلنا الواعد…!
وفي المحصّلة، لقد وجّه هذا العمل الأرعن الذي قام به ترامب في فنزويلا رسالةً مُقلقةً للعالم، مفادها أن الولايات المتحدة بدأت عملية تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ تُسيطر عليها بهدف تكديس الثروة وبناء مناطق عازلة لإمبراطورياتها، وتأمين مناطق نفوذها.
وينبغي على دول العالم، وفي مقدمتها الدول المُهددة، أن تدرك جيداً تداعيات ما يحدث، فهم لا يتعاملون مع طرف يمكن استرضاؤه، إنها على الأرجح مُجرد بداية لحملة أوسع نطاقاً من التوسع الإقليمي والهيمنة.
ولحسن الحظ، يعلّمنا التاريخ أن أفضل وقت لقول “لا” بشكل مؤثر هو في وقت مبكر، وقبل أن تُقرر الدول المُستبدة من يحق له الاحتفاظ بأي أجزاء من البلدان التي غزتها.
و”اقتراحٌ متواضع” هو مجرد جرس إنذار لما يمكن أن يقودنا إليه السكوت على “صوت العقل المجنون” بانتظار مزيدٍ من الكوميديا السوداء.