فلسطين ليست مجرد أرض على الخريطة، بل هي رمز وحياة وهوية كل فلسطيني مهما طالت المسافات. في الشتات، لم يكن الفلسطيني إلا ضحية، فوضع حزنه جانبًا واختار أن يكون قويًا. حمل لغته وتقاليده وأمله بالعودة إلى وطنه، ولم يبقَ معه سوى مفتاحٍ قديم يثبت أن هذا البيت بيته، وأن هذه الشجرة له. حمل كل فلسطيني الذكريات المحفوظة في قلبه، ليخبر أحفاده قصة صمود شعب لا يعرف الانكسار، ويتمسك بحلمه في وطنه المسلوب.
الحياة في الشتات ليست سهلة، فهي مليئة بالصعاب والحرمان، كأن كل يوم يمر عليهم اختبارٌ إلهيٌّ صعب يمتحن صبرهم وثباتهم. الأطفال يكبرون بين جدران المخيم، يحلمون بالعودة إلى وطنٍ لم يروا أرضه، فقد بنوا في عقولهم الصغيرة صورًا عن جمال وطنهم المسلوب. بينما الكبار يحملون همّ الفقد، ينامون وفي عقولهم ألف قصة من حنين ووجع وشتات. لكن الفلسطيني لا يستسلم، فهو كالنخلة التي تنحني تحت الرياح ولا تنكسر، متمسكًا بما هو غير ملموس، رغم أن من حوله يحاول إبعاده عن جذوره.
في الشتات، يعيش الفلسطيني بين ذكرى وأمل، وبين حنين ووجع. كل زاوية، وكل مكان، وكل حارة تحكي قصة فقدان. الأطفال يلعبون على أنقاض الحنين، والكبار يحرسون الذكريات لتبقى راسخة ثابتة ككنزٍ غالٍ. سيظل الفلسطيني حاضرًا في وطنه بروحه وقلبه وفكره، كأن فلسطين جزء لا يتجزأ منه، لا ينفصل مهما ابتعد عن ترابها وزيتونها الأخضر وحاراتها ومساجدها.
ومثالٌ على ذلك إدوارد سعيد، الذي قال:
(الشتات هو أن تعيش خارج المكان الذي تنتمي إليه).
لم تكن كلماته نظرية أو من وحي الخيال، بل تجربة عاشها منذ خروجه القسري من القدس. وُلد إدوارد عام 1935م، وعاش طفولته في القدس، وكان شاهدًا حيًا على نكبة عام 1948م. لم يعبّر إدوارد عن الشتات كخوف لحظة، بل كضياع طويل المدى.
كان إدوارد سعيد من أبرز وأقوى الشخصيات الفلسطينية التي واجهت الرواية الصهيونية في الغرب، وكانت جملته المشهورة:
(إن لم أقدر على العودة، سأجعل العالم كله يسمع).
وفي النهاية، ليست قصة إدوارد سعيد، المنفيّ إلى الأبد، استثناءً في التاريخ الفلسطيني، بل مثالًا واحدًا من آلاف القصص التي وُلدت من رحم الشتات والتهجير؛ هو اسم معروف، لكن خلفه وجوه بلا أسماء، وبيوت بلا عناوين، وأعمار توقفت عند لحظة الرحيل.
فلسطين لم تُهجَّر بأشخاصها فقط، بل بحكاياتها، لتؤكد أن الشتات قد يطول، لكن الذاكرة لا تموت، وأن الحق لا، ولن، يسقط
سارة برهم
