ليس من السهل كتابة اسم يحيى عياش بوصفه سيرة منتهية. الاسم، كلما كُتب، يستدعي فراغا أكبر منه: فراغ السؤال، وفراغ المعنى، وفراغ الزمن الذي لم يُحسم. فبعض الأشخاص لا يرحلون حين يغيبون بأحسادهم، بل حين يُختصرون، وعياش، في الذاكرة الفلسطينية، ليس واقعة أمنية ولا رقما في سجل الاغتيالات، بل علامة على لحظة شعر فيها الفلسطيني أن القوة، مهما بدت مكتملة ومطلقة، ليست قدرا نهائيا.
وُلد عياش عام 1966 في بلدة رافات قضاء سلفيت المحاطة بالاستيطان، في هامش جغرافي اعتاد أن يُقصى عن السرديات الكبرى، لكنه كثيرا ما أنجب أشكالا حادة من الوعي، في هذا الهامش، تشكل إدراك مبكر على أن الحياة تحت الاحتلال ليست مجرد واقع مفروض، بل منظومة قسر يمكن مساءلتها واختبار حدودها، ولم تكن النشأة هنا خلفية محايدة، بل شرطا تأسيسيا لفهم العلاقة المختلة بين الفرد والقوة.
حين التحق عياش بجامعة بيرزيت لدراسة الهندسة الكهربائية، لم يتعامل مع المعرفة بوصفها مسارا فرديا لمركز اجتماعي، بل كأداة لفهم منطق السيطرة ذاته، فالهندسة، في تجربته، لم تكن علما محايدا، بل إمكانية لتفكيك تفوق يُقدَّم باعتباره طبيعيا وغير قابل للطعن، وهكذا، خرج العلم من حياده، وتحول العقل التقني إلى موقع اشتباك، لا في الخطاب، بل في الفعل.
مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، انتقل عياش من المجال الأكاديمي إلى العمل السري، دون أن يسعى إلى حضور علني أو بطولة استعراضية، وكان يعمل في الظل، ويتقدم عليه فعله لا صورته.
هذا الغياب المتعمد صنع له حضورا مركبا، إذ بدا أقرب إلى فكرة متحركة منها إلى شخص قابل للرصد، وفي مجتمع يعيش تحت مراقبة دائمة، تحوّل الاختفاء ذاته إلى شكل من أشكال القوة، وإلى تحد صامت لمنظومة ترى في الرؤية والسيطرة شرطا للهيمنة.
انتهت هذه السيرة، ظاهريا، في الخامس من يناير 1996، حين اغتيل عياش في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، عبر هاتف نقال مفخخ جرى تفجيره عن بعد، بعد مطاردة طويلة.
في الوعي الفلسطيني، لا يُستعاد يحيى عياش كشخصية تاريخية مغلقة، بل كحالة ذهنية وأخلاقية مفتوحة، فهو ليس بطلا أسطوريا فقط ولا نموذجا مثاليا فحسب، بل دليل أيضا على أن الفعل ممكن حتى في أكثر اللحظات اختلالا، واسمه يُستدعى كلما بدا الواقع مسدودا، لا بوصفه حلا جاهزا، بل كتذكير بأن ميزان القوة ليس قدرا أبديا.
لقبه “المهندس” تجاوز الدلالة المهنية، ليصبح استعارة كثيفة: هندسة الفعل المقاوم، وهندسة الوعي، وهندسة الخروج من موقع الضحية الطيبة، وفي المخيال الجمعي الفلسطيني، يمثل عياش تلك اللحظة التي شعر فيها الناس أن السيطرة يمكن أن تُخترق، وأن التفوق ليس مغلقا من كل الجهات.
في المقابل، تنظر “إسرائيل” إلى يحيى عياش من زاوية أمنية، لكنها زاوية مشبعة بالقلق، ففي خطابها الرسمي، يُقدَّم بوصفه “أخطر مطلوب” في تلك المرحلة، والعقل الذي أدخل تحديا نوعيا إلى عمقها، وهذا الوصف ينطوي على اعتراف غير معلن أن منظومة أمنية متقدمة شعرت بالعجز أمام فرد يعمل بإمكانيات محدودة.
في شهادات لاحقة لمسؤولين أمنيين إسرائيليين، يظهر عياش ككابوس طويل، لا بسبب العمليات وحدها، بل بسبب ما مثله من فكرة أن السيطرة ليست مطلقة، وأن التكنولوجيا لا تلغي إمكانية الاختراق، واغتياله، في هذا السياق، بدا محاولة لاستعادة تفوق رمزي، أكثر منه إغلاقا لملف.
شبكة قدس الإخبارية
