بين كاراكاس وغزة… حين تصنع العقيدة الفارق
د. فريد عبد الجبار ولد علي
3/1/2026

أثار الإعلان الأمريكي عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وترحيلهما جوًا إلى الولايات المتحدة، تساؤلات عميقة تتجاوز الحدث ذاته، لتصل إلى جوهر الصراع بين القوة المادية من جهة، والعقيدة والإرادة من جهة أخرى.
أرسل لي صديقي القبطان وليد حبش يسألني رأيي في الحدث، وقد أوحى لي مشكوراً بفكرة هذا المقال.

فنزويلا دولة كبيرة بمقاييس الجغرافيا والسياسة، تبلغ نحو خمسين مليون نسمة، ومساحتها تقارب مليون كيلومتر مربع، لهاجيش نظامي، وأجهزة أمنية واسعة الانتشار. ومع ذلك، نُفذت – بحسب الإعلان الأمريكي – عملية خاطفة داخل أراضيها، انتهت باعتقال رأس الدولة نفسه، رغم السيادة والحدود والمؤسسات.

في المقابل، تقف غزة، وهي بقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 360 كيلومترًا مربعًا، يسكنها نحو مليوني إنسان، محاصَرة براً وبحراً وجواً منذ سنوات، وتتعرض لحرب مفتوحة بإمكانات عسكرية واستخباراتية هائلة، تقودها دولة الاحتلال، مدعومة بأقوى دول الغرب، ومسنودة بصمت أو تواطؤ أنظمة عربية.
ورغم ذلك، وعلى مدار أكثر من عامين من القتال، ورغم الاغتيالات والمكافآت المالية المعلنة، ورغم التفوق التقني غير المسبوق، لم تستطع هذه المنظومة العسكرية الجبارة أن تأسر قائداً ميدانياً بارزاً من قادة المقاومة الإسلامية، ولم تنجح في كسر بنيتها أو السيطرة على غزة.

لماذا حدث هذا في فنزويلا، ولم يحدث في غزة؟

الفرق لا يكمن في الجغرافيا وحدها، ولا في عدد السكان، ولا حتى في ميزان القوة العسكرية. الفرق الجوهري هو العقيدة.

في غزة، لا تقاتل مجموعات منفصلة عن مجتمعها، بل تقف المقاومة داخل نسيج شعبي مؤمن بقضيتها، يرى في الصمود واجباً، وفي التضحية شرفاً، وفي الثبات طريقًا للكرامة.
مقاتلون تربوا في المساجد، حفظوا القرآن، نشأوا على فكرة أن المعركة ليست معركة أرض وحدود، بل معركة عقيدة ووجود.

“رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.”

هذه العقيدة هي التي حوّلت الحصار إلى صلابة، والتفاوت في القوة إلى عبء على المعتدي، وجعلت الاحتلال – رغم كل ما يملك – عاجزاً عن تحقيق أهدافه، مضطراً في النهاية إلى وقف حرب استنزفته أخلاقياً وعسكرياً واقتصادياً.
أما في فنزويلا، فالدولة رغم اتساعها فهي تعاني هشاشة داخلية، وانقسامات، واعتماداً كبيراً على منظومات يمكن اختراقها أو الضغط عليها.

حين تغيب العقيدة الجامعة، تصبح القوة مجرد أرقام، ويمكن إسقاط الرأس دون الحاجة إلى كسر الجسد كله.

وهكذا تتوضح لنا الأمور، ما بين كاراكاس وغزة، تتجلى حقيقة ثابتة في تاريخ الصراعات، ألا وهي أن القوة بلا عقيدة سريعة الانكسار، والعقيدة بلا قوة مادية قاهرة تصنع المعجزات.

غزة لم تصمد لأنها الأقوى، بل لأنها الأصدق إيماناً بقضيتها. وهنا تحديداً، يكمن الفرق بين بقعة محاصَرة صمدت أمام العالم، ودولة واسعة سقط رأسها بعملية خاطفة.

وختاماً، فإن ما يجري اليوم يؤكد أن ترامب بكل ما يرمز إليه من عنجهية، وبطش وابتزاز ، ليس قدراً محتوماً، ولا قوة لا تُرد. هو تعبير عابر عن منطق الهيمنة حين يظن نفسه فوق التاريخ، لكن التاريخ علّمنا أن هذا المنطق يسقط دائماً أمام الصدق، والوعي، والالتزام بالعقيدة. حين تتضح البوصلة، وتتوحد الإرادة، ويُحمل الحق بلا تردد ولا مساومة، تتحول أدوات الطغيان إلى عبء على أصحابها، مهما تضخمت. ليست المعركة مع شخص أو إدارة، بل مع نهج، ولا يُهزم هذا النهج إلا بأمم تعقل سنن الله في الصراع، وتفهم أن الثبات ليس خيار الضعفاء بل سلاح الأقوياء. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.