في قصة خالدة من قصص الأنبياء، يُلقى نبي الله إبراهيم عليه السلام في نار عظيمة أوقدها أعداؤه لأنه دعاهم إلى التوحيد وكشف زيف أصنامهم.
وفي مشهدٍ رمزيٍ يفيض بالدروس، تروي بعض الروايات أن طائرًا صغيرًا – هو الحمامة – حمل في منقاره قطرات من الماء ليلقيها على النار، محاولًا إطفاءها رغم معرفته أنه لا يستطيع، لكنه فعل ما بوسعه، وأعلن انحيازه للحق.
في المقابل، كانت “السلحية” أو الوزغ تنفخ في النار، تؤججها، وتشترك في الجريمة ولو بنفَسها، فاستحقت أن يُؤمر بقتلها، كما ورد في الحديث الصحيح.

ورغم بساطة القصة، فإن معناها عظيم.
إنها دعوة للموقف، للنية، للانحياز.
فكل واحد منا في الحياة إما أن يكون حمامة تطفئ نار الظلم، أو سلحية تنفخ فيها، حتى لو بدا فعله صغيرًا.

اليوم، تتكرر هذه القصة بحذافيرها، ولكن على أرض فلسطين.
فالغارات التي تمطر غزة، والنيران التي تشتعل في جنين، والدمار الذي يلاحق أطفال فلسطين، ليست إلا نسخة معاصرة من نار نمرود ،والعدو واحد: من يريد إسكات صوت الحق والمقاومة.

لكن كما قال الله تعالى في كتابه الكريم:
“قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم” – [الأنبياء: 69].
فإننا نوقن، بإيمان لا يتزعزع، أن نيران الاحتلال، وغارات إسرائيل، ستكون بردًا وسلامًا على فلسطين، بإذن الله ،لأن النصر لا يأتي من كثرة السلاح، ولا من تحالفات سياسية، بل من الله:
“وما النصر إلا من عند الله” – [آل عمران: 126].

وهنا يظهر الموقف:

من يقاطع البضائع الأمريكية والصهيونية( موقف الكل يستطيع فعله ) ، من يقاوم الغزو الفكري، من يرفض التطبيع، من يرفع صوته ، ويقف مع الحق، هو الحمامة التي يُكتب لها النجاة ورضا الله في الدنيا والآخرة.

ومن يسكت، أو يبرر، أو يتواطأ، أو يستهزئ بالمقاومة، أو يمد يدًا للعدو، هو السلحية التي تنفخ في نار الظلم، ويلحقها الخزي والعار دنيا وآخرة.

الحمامة رمز السلام، لكنها اليوم أيضًا رمز المقاومة.
وهي من ستنقذ نفسها من عذاب الله.
أما السلحيات، فلها مصير معروف…
كـ الحمامة التي حملت ماءها الصغير لتطفئ نار إبراهيم.
أما من يقف مع الاحتلال، يدعمه، يبرر جرائمه، يصمت عن دماء الأبرياء، فهو كـ السلحية التي كانت تنفخ النار على نبي الله.

لقد انقسم العالم من جديد إلى صفين:
صفّ الحق، وصفّ الباطل.
صفّ الحمام، وصفّ السلحيات.
وأنت، وأنا، وكل إنسان… نُسأل: أين نقف؟

اليوم، فلسطين، والقدس، والخليل، هي إبراهيم هذا الزمان. والنار هي غارات الاحتلال، وحصاره، وقتله، وتدميره.
لكن كما أنقذ الله إبراهيم، فإن الله سينصر فلسطين، ويجعل نيران العدو بردًا وسلامًا عليها، لأن الحق معها.

كما جسد النبي إبراهيم عليه السلام الدين الإسلامي الحنيف بأمر الله، فإن فلسطين وأرض الخليل ستجسد هذا الدين في زماننا.
هذه سُنّة إلهية، تتجدد مع كل صراع بين الحق والباطل.
وسيتجسد إسناد الحمام، من كل الشعوب والأحرار،
وسيتلاشى إسناد السلحية، مهما بدا صوته عاليًا،لأن الحق باق، والباطل زائل.

عدنان عبدالله الجنيد