وافقت “إسرائيل” وحركة حماس، بعد مفاوضات ومماحكات مضنية، على اتفاق لوقف إطلاق النار بمراحل ثلاث. “حماس” نفّذت بنود الاتفاق بلا إبطاء. “إسرائيل” ماطلت ثم تظاهرت ببدء تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، وما أن شارفت على نهايتها حتى عاودت اعتداءاتها بوحشيّة على المدنيين الفلسطينيين أفراداً وتنظيمات ومؤسسات في شمال قطاع غزة ووسطه وجنوبه. لماذا؟ لأنها لا تريد المباشرة في تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق التي تقضي بسحب قواتها من مجمل قطاع غزة.
“إسرائيل” كانت وافقت على قرارٍ لوقف إطلاق النار مقابل موافقة لبنان على إخلاء منطقة جنوب نهر الليطاني من المسلحين والسلاح ووضعها تحت سيطرة الجيش اللبناني تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1701. ماطلت “إسرائيل” وتحايلت ثم ما لبثت أن سحبت قواتها من مساحة محتلة ضيّقة على طول حدود لبنان مع فلسطين إنّما مع احتفاظها باحتلال خمس تلال مشرفة على منطقة جنوب الليطاني. لماذا؟ لأنها تريد متابعة حربها ضدّ قوات المقاومة (حزب الله) بقصد ضرب وتهجير واستئصال حاضنته الشعبيّة من كامل الأراضي اللبنانيّة.
الولايات المتحدة لم تعترض أبداً على مخالفات “إسرائيل” لكِلا الاتفاقين المتعلقين بوقف إطلاق النار في غزة ولبنان. بالعكس، هي حاولت الضغط على “حماس” لحملها على تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق بغية تسريع عمليّة تبادل الأسرى. لكن “حماس” رفضت الانصياع وأصرّت على وجوب البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق لأنّ من شأنها التعجيل بانسحاب القوات الإسرائيليّة من مجمل أراضي القطاع.
أما في لبنان فقد حاولت الولايات المتحدة وما زالت تحاول إقناع حكومته بإجراء مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” بشأن التلال الخمس المحتلة كما بشأن النقاط الثلاث عشرة التي كانت القوات الإسرائيليّة احتلتها سابقاً على طول حدود لبنان الجنوبيّة من الغرب إلى الشرق. لبنان كما “حماس” ما زالا يرفضان ضغوط الولايات المتحدة… حتى الآن.
لماذا تستمرّ واشنطن في التغاضي عن خروق “إسرائيل” المتواصلة لاتفاقي وقف إطلاق النار في كلّ من قطاع غزة وجنوب لبنان؟
ثمّة جواب قديم معروف وآخر جديد مريب. الجواب القديم هو أنّ الولايات المتحدة حليفة مزمنة وداعمة للكيان الصهيونيّ في كلّ ما يصدر عنه أو يبادر إليه من عدوان وتوسّع. الجواب الجديد هو أنه مع عودة دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة أصبحت له وبالتالي لإدارته مقاربات وسياسات جديدة ذات طابع هجوميّ وتوسعيّ في كلّ مكان ولا سيما في أوروبا (أوكرانيا تحديداً) وفي غرب آسيا (فلسطين وإيران تحديداً).
في فلسطين، لا يبتغي ترامب المثابرة على دعم “إسرائيل” في سياستها التوسعيّة فحسب، بل يريد أيضاً استعمالها لدعم سياسته الرامية إلى احتواء إيران وإضعافها وصولاً إلى منعها من نصرة ودعم وتسليح حركات المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق من جهة، ومن جهة أخرى لاستعمال “إسرائيل” العدوانيّة التوسعيّة أداةً لابتزاز دول الخليج بإبداء حرصه على حمايتها من إيران و”إسرائيل” لقاء حصوله على “أجور” وتعويضات باهظة من أموالها الطائلة.
موفدو ترامب يقولون، مباشرةً أو مداورةً، للمسؤولين في مصر والأردن: تخلّوا عن دعمكم الضمني للفلسطينيين المقاومين في قطاع غزة والضفة الغربية وإلاّ فإنّ نتنياهو ووزراءه من اليمين الصهيوني المتطرف لن يكتفوا باحتلال قطاع غزة وكامل الضفة الغربية فقط بل سيقومون بتهجير أهاليها بالقوة إلى سيناء والأردن.
موفدو ترامب يقولون، مباشرةً أو مداورةً، للمسؤولين في لبنان: تفاوضوا مع “إسرائيل” مباشرةً لاستعادة ما تبقّى لكم من تلال ونقاط وأراضٍ محتلة لديها وإلّا لن تحصلوا على شيء من أموال دول الخليج لإعمار بلادكم المدمّرة والمقطّعة الأوصال.
موفدو ترامب يقولون، مباشرةً أو مداورةً، للمسؤولين في دول الخليج: كفّوا عن دعمكم الضمنيّ لمقاومي “إسرائيل” وحلفائهم في فلسطين ولبنان وسائر بلاد العرب، لأنّ هؤلاء إذا ما هزموا “إسرائيل” او كبحوا جماحها، فإنهم سيكونون لاحقاً عوناً لإيران عليكم جميعاً.
هذا مع العلم أنّ ترامب رابحٌ سواء أصغى المسؤولون في مصر والأردن ولبنان الى “نصائحه” وتهديداته أم لم يفعلوا. فهم إنْ أصغوا وكفّوا عن دعم مقاومي “إسرائيل” في فلسطين ولبنان، فإنّ نتنياهو لن يتأخر، بدعمٍ أميركي، من بسط سيطرته عاجلاً أو آجلاً على مجمل بلدان المشرق العربي ما يوفّر على الولايات المتحدة مئات مليارات الدولارات من المساعدات التي تقدّمها لـِ “إسرائيل” من أجل حماية كيانها من أخطار أعدائه. أما إذا امتنع المسؤولون في فلسطين ولبنان ومصر والأردن عن الإصغاء الى “نصائح” ترامب فإنّ هذا الأخير سيستغلّ إقدام نتنياهو على توسيع رقعة سيطرته وتشديد وتيرة تهديده للسعودية (لتوطين الفلسطينيين في ربوعها كما دعاها إلى ذلك أخيراً) ليبتزّ، أيّ ترامب، أهلَ السلطة في دول الخليج بمزيد من “الخوّات” و”أجور” الحماية السابقة واللاحقة.
يُدرك أهل السلطة في فلسطين (رام الله) ولبنان ومصر والأردن، كما أهل السلطة في دول الخليج، أنّ أموال الخليج الطائلة ليست لها ولهم في مفهوم ترامب الطامع والطامح بلا هوادة إلى مزيد من الأموال والعقارات وحتى القارات بل هي وغيرها من الأراضي والأقطار والأمصار في شتى أنحاء العالم ملك لأميركا طالما هو في سدّة رئاستها، وأنّها ستضع يدها عليها عاجلاً أو آجلاً تسديداً لحقوق وأجور مزعومة لقاء حمايات أمنية أو وفاءً لمساعدات ومقاولات وقروض ماليّة كان استحصل عليها حكام مقاولون أو مقترضون أو خائفون أو مخادعون.
غير أنّ ثمّة حقيقة أخرى لا أخال الحكام العرب من أصدقاء أميركا وأعدائها يجهلونها. إنّها ظاهرة التغيير الواضح والمطرد الطارئ والجاري على موازين القوى في شتى أنحاء العالم. فالولايات المتحدة لن تبقَى وحدها القطب الأقوى والأعظم لأنّ ثمة قوى أخرى كبرى وصغرى صاعدة وواعدة في أوروبا وآسيا تشاركها أو تنازعها القوة والنفوذ والأسواق، كما أنّ ثمة مساحة ومسافة واسعتين تستطيع قوى المقاومة والتحرير في شتى مناطق جنوب العالم أن تتحرّك فيها وتناور وتناضل وتحصد بنجاح. غير أنّ ذلك يبقى مشروطاً بوجود إرادة سياسية حازمة للتصدّي والمواجهة. فهل لدى العرب إرادة من هذا الطراز؟
الجواب لدى أهل الكرامة وطلّاب الحرية والعدالة والتنمية والإبداع الحضاريّ والسلام العادل في شعوب الأمة.

الكاتب: د. عصام نعمان..
الناشر: جريدة البناء اللبنانية