ازدواجية المعايير… حين يصبح المظلوم ضحيةً لمواقفنا لا لعدوّه فقط…

فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

ليس من باب الدفاع عن أحد، بل من باب الواجب في نصرة المظلوم، وتبيان الحقائق كما هي، وحرصاً على سلامة المبدأ من أن تلوثه الحسابات الضيقة، أبدأ.

منذ السابع من أكتوبر، وإعلان عملية طوفان الأقصى، والمنطقة تشهد تحولات متسارعة، تتكثف فيها الأحداث وتتلاحق الأخبار على نحوٍ جعل أياماً تمرّ علينا دون أن نذوق طعم النوم؛ لا لانشغالنا بترف التحليل، بل لأننا نتابع وجع أهلنا في غزة، وجراح جنوب لبنان، ومشهد اليمن، وما يجري في العراق وسوريا وسائر هذه الجغرافيا المثقلة بالدماء.

ولعلّ من أكثر اللحظات التي لا تُنسى انتظار بيانات العميد يحيى سريع، ومراقبة السماء وهي تحمل الصواريخ الإيرانية، وانتظار بيانات المقاومة في غزة وجنوب لبنان، تلك اللحظات التي امتزج فيها القلق بالعزة، والخوف بالأمل، والوجع بالعنفوان. لم تكن مجرد مشاهد عابرة، بل كانت لحظات تختزل وجدان أمة، وتكشف حجم الصراع الذي تخوضه شعوب المنطقة، بكل ما فيه من تضحيات وآلام ومواقف.

لكن بعد قرابة ثلاثة أعوام من هذا المشهد، بحلوه ومرّه، بعزّه وجرحه، وبكل ما حمله من انكشاف للحقائق، بات من الضروري أن نطرح أسئلة لا يجوز الهروب منها، وأن نواجه ازدواجية المعايير التي يمارسها بعض الإعلاميين والسياسيين والكتّاب والصحفيين، عرباً وغير عرب، ممن يبدو أن مواقفهم لا تحكمها المبادئ بقدر ما تحكمها الخصومة والحسابات السياسية.

كيف يمكن لمن هلّل لصواريخ غزة التي استهدفت الكيان الصهيوني أن ينتقد صواريخ تستهدف القواعد الأمريكية التي توفر الحماية له؟

هل يتغير تعريف المقاومة باختلاف الجهة التي تطلق الصاروخ؟ وهل تصبح الضربة مشروعة حين توافق أهواءنا، وتتحول إلى جريمة حين تصيب حليفاً لا نريد إغضابه؟ إن كانت القواعد الأمريكية جزءاً من منظومة الحماية العسكرية للكيان، فكيف يمكن فصل استهدافها عن سياق الصراع، ثم تقديم الموقف باعتباره دفاعاً عن الحق، لا انتصاراً للخصومة السياسية؟

وكيف يمكن أن تتحول دول عربية إلى أهداف لحملات التشويه والتحريض على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، بينما تُغضّ الأبصار عن ممالك عقدت تحالفاتها مع الصهاينة، وأقامت علاقاتها معهم تحت الطاولة وفوقها، وفتحت أبواب التطبيع على مصراعيها؟ أيّ منطق هذا الذي يجعل من دولةٍ ما خصماً يستحق الإدانة الدائمة، ومن أخرى شريكاً يستحق التبجيل، رغم أن الوقائع لا تمنح هذا التفاوت أي مبرر أخلاقي؟

وكيف يمكن أن يُنتقد زعيم عربي، بينما يُمتدح ملك اشتهر اسمه بجرائم التقطيع؟ أهي معايير السياسة، أم أن بعضهم قد استبدل ميزان العدالة بميزان المصالح، فأصبح القاتل مقبولاً ما دام في المعسكر الذي يرضيه، وأصبح صاحب الموقف مستهدفاً ما دام خارج دائرة الولاء؟

وكيف يمكن التصفيق لليمن حين يمطر الكيان الصهيوني بالصواريخ نصرةً لغزة، ثم التنكر لحقه في الدفاع عن نفسه حين يتعرض لاعتداءات سعودية؟ هل التضامن مع اليمن مشروط بأن يبقى صامتاً أمام الاعتداء عليه؟ وهل تُمنح الشعوب حق الدفاع عن فلسطين، ثم يُسحب منها الحق ذاته حين يتعلق الأمر بدمائها وسيادتها؟

إن المبدأ الذي لا يصمد أمام اختلاف الجغرافيا أو هوية الخصم ليس مبدأً، بل انتقائية مغلفة بالشعارات.

وكيف يمكن أن يعمي الحقد البعض عن رؤية ما جرى ويجري في جنوب لبنان، وعن حقيقة أن المقاومة التي حررت لبنان عام 2000، وعرقلت مشاريع أعداء الأمة، ليست مجرد تفصيل يمكن محوه من الذاكرة السياسية؟ كيف يمكن مهاجمة مقاومة صنعت معادلات ردع، ودفعت أثماناً باهظة، ثم تقديس سلطة تمد يدها إلى عدوها فيما شعبها يُذبح ويُستباح؟

إن الذاكرة ليست ترفاً، والتاريخ لا يُكتب وفق رغبات المنتصرين في الإعلام. فمن حق الناس أن يسألوا: بأي معيار تُدان المقاومة، ويُمنح الغطاء لمن يمدّ جسور العلاقة مع العدو؟

ثم ماذا عن غزة قبل طوفان الأقصى؟

كيف يمكن إدانة حماس، وتجاهل واقع الحصار والتجويع والعزل الذي عاشه أكثر من مليوني إنسان، وتجاهل سنوات من الاعتداءات والانتهاكات؟ إن اختزال القضية في السابع من أكتوبر، وكأن التاريخ بدأ في ذلك الصباح، ليس تحليلاً موضوعياً، بل اجتزاء متعمد للسياق، ومحاولة لإعفاء الاحتلال من مسؤولية جرائمه المتراكمة.

وليس المطلوب أن يتفق الجميع على كل تفصيل، أو أن تُعفى أي جهة من النقد والمساءلة، لكن المطلوب ألا يتحول النقد إلى أداة لطمس أصل القضية، وألا تصبح إدانة طرف ذريعة لتبرئة الطرف الذي يمارس الاحتلال والقتل والحصار.

أما اليمن، وليبيا، والسودان، والعراق، وسوريا، وفلسطين، فكيف يمكن أن تُقام المهرجانات والحفلات والأعياد والمناسبات باسم العربية، بينما دول هذه اللغة مكلومة، وشعوبها مقهورة، وأرضها تنزف بشكل يومي؟

أيّ عربية هذه التي تحتفل فيما أهلها يواجهون الموت والنزوح والجوع؟ وأيّ انتماء هذا الذي يتسع للرقص والابتهاج، ويضيق عن مجرد الاعتراف بأوجاع الشعوب؟

إنك تقف حائراً أمام هذا المشهد؛ على أيّ هذه الجراح تبكي؟ على ليبيا التي أنهكتها الفوضى، أم السودان الذي تفتك به الحرب، أم عراقنا الذي أثقلته المآسي، أم شامنا التي استبيحت، أم يمننا الذي حاصرته الأزمات، أم قدسنا التي تُنتهك حرمتها أمام مرأى العالم؟

ثم كيف وصل بنا الأمر إلى هذا المستوى من الجهل والتناقض، حتى باتت التبريرات أكثر سخافةً من المواقف نفسها؟ كيف يمكن تجاهل من يحارب وهو يوشم على ذراعه كلمة «كافر»، بينما يُكفَّر من يرفع شعار الثقافة القرآنية؟ أليس من المفارقة الفاضحة أن تصبح الشعارات الدينية مادةً للاتهام حين تصدر عن الخصم، بينما تُغضّ الأبصار عن ممارسات من يرفعونها في سياقات أخرى؟

إن المشكلة لم تعد في اختلاف المواقف، بل في انهيار القدرة على التمييز بين الحق والباطل حين تتدخل الأهواء، وفي تحوّل بعض العقول إلى أدوات تبرير، لا إلى أدوات فهم.

وكيف يمكن تجاهل خريطة «إسرائيل الكبرى» التي عُرضت في محافل دولية، وما تحمله من دلالات توسعية، ثم توجيه كل سهام العداء نحو إيران، التي لم تبدأ حرباً مباشرة على جيرانها منذ عقود طويلة؟ إن الحديث عن التهديدات الإقليمية لا يجوز أن يُختزل في خصم واحد، فيما تُهمّش مشاريع التوسع والهيمنة التي تتحدث عنها الوقائع والتصريحات والخرائط.

وكيف يمكن أن يُبجَّل الشيطان الأمريكي، وتُسترضى قياداته، وتُفتح له أبواب المنطقة، فيما تُستهدف الحضارات، وتُفرض العقوبات، وتُهدد الشعوب، وتُستباح السيادات؟ أهي قوة الحق التي تدفع هؤلاء إلى التبجيل، أم قوة النفوذ التي تجعلهم ينسون كل ما كانوا يدّعون الدفاع عنه؟

وكيف يمكن تجاهل مكانة سوريا ودورها قبل عام 2011، ثم الصمت عن استباحتها بشكل يومي، بعدما تحولت إلى ساحة تتنازعها القوى، وتُستخدم فيها الأرض السورية منصةً للمشاريع الإقليمية والدولية؟ كيف يمكن أن يكون الوطن محلّ تقدير حين يخدم حساباتنا، ثم يصبح عبئاً لا يستحق الدفاع عنه حين تتغير السلطة أو تتبدل التحالفات؟

أما أولى القبلتين وثاني الحرمين، فهنا تبلغ ازدواجية المعايير ذروتها.

كيف يمكن أن يتباكى البعض على ادعاءات قصف المقدسات، ويُظهر الغيرة الدينية، ويتنفخ شرفاً أمام الكاميرات، بينما تُترك المقدسات الحقيقية تحت الاحتلال، وتُستباح القدس والمسجد الأقصى بشكل متكرر؟ كيف يمكن أن تُستثار المشاعر أمام خبر غير موثق، بينما تمرّ الانتهاكات الموثقة دون موقف يوازي حجمها؟

إن الغيرة على المقدسات لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بصدق الموقف واستمراريته. ومن يجعل الدين أداةً للانتقاء السياسي، لا يحق له أن يتحدث عن ثبات المبادئ.

وكيف يمكن لبعض من يدّعون العفة والشرف أن يشنوا حملاتهم على نساء هذه المنطقة، مستغلين أوجاعها وكرامتها، فيما يتجاهلون ما تتعرض له النساء من قتل وتهجير وانتهاكات؟ إن كرامة المرأة ليست مادةً للمزايدة، ولا يجوز أن تتحول إلى سلاح سياسي يُستخدم حين يخدم الخصومة، ويُهمل حين تكون الضحية خارج دائرة المصالح.

إننا أمام مشهد لا يمكن تفسيره بالاختلاف السياسي وحده. هناك من يختار أن يرى نصف الحقيقة، وهناك من يتعمد تجاهل النصف الآخر، وهناك من لا يرى في الدماء إلا فرصةً لتسجيل موقف أو تصفية حساب.

وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة لا يجوز أن تُمحى: كل من سقط على هذه الجغرافيا ليس رقماً في إحصائية، ولا تفصيلاً في نشرة أخبار، ولا ورقةً في بازار السياسة.

كل شهيد روحٌ لها حكايتها، وكل جريح إنسانٌ له ألمه، وكل طفلٍ فقد أهله أو بيته هو شاهد على جريمة لا تسقط بالتقادم، وكل أمٍّ انتظرت عودة ابنها تحمل في قلبها ما لا تستطيع الكلمات وصفه.

هؤلاء جميعاً ليسوا مجرد ضحايا حرب، بل حججٌ على كل مدّعٍ، وشواهد على كل منافق، ومرآة تكشف حقيقة من يرفع شعار الإنسانية حين تخدمه، ثم يدير ظهره لها حين تصبح كلفة الموقف أعلى من قدرته على الاحتمال.

لسنا مطالبين بأن نتفق على كل شيء، ولسنا معصومين من الخطأ في تقدير المواقف، لكننا مطالبون بألا نخون المبدأ، وألا نبيع الحق على مذبح الاصطفافات، وألا نسمح للحقد أن يتحول إلى بوصلة أخلاقية.

فإن كان المظلوم مظلوماً، فحقه لا يتجزأ، وإن كان الدم حراماً، فهو حرامٌ مهما كانت هوية صاحبه، وإن كان الاحتلال عدواً، فلا يجوز أن يصبح صديقاً لمجرد أن خصومنا يختلفون معه.

أما من يختار من المظلومين من يستحق التعاطف، ومن يختار من المعتدين من يستحق الإدانة، فليس صاحب مبدأ؛ بل تاجر مواقف، يبيع الإنسانية حين ترتفع أسهم السياسة، ويشتري النفاق حين تضيق به الحقيقة.

والتاريخ، مهما طال زمن التزوير، لا ينسى.

والله يرى.