يكشف المشهد السياسي الداخلي في الكيان الإسرائيلي عن أزمة بنيوية عميقة تعتصر المنظومة السياسية برمتها، بمعزل عن الشعارات التقليدية للكتل الحزبية. فالصراعات الدائرة اليوم لا تعبّر فقط عن صراع دائم على السلطة، بل تفضح عجزاً استراتيجياً متأصلاً لدى النخب السياسية المتنافسة في مواجهة واقع تفرضه موازين القوى، ويترافق مع تآكل شرعية الردع الصهيوني.
وتبرز هذه الأزمة بوضوح من خلال استطلاعات الرأي الأخيرة التي يعكسها مركز «أكورد» (aChord)، والتي تسلّط الضوء على هوّة سحيقة تتسع يوماً بعد يوم بين تطلعات الشارع الإسرائيلي الباحث عن مخارج سياسية يائسة، وبين ارتباك القيادات المأزومة التي باتت أسيرة حسابات البقاء السياسي والشخصي.

  1. أرقام الوهم: الشارع يبحث عن طوق نجاة وهمي
    تشير المعطيات إلى أن 59% من ناخبي معسكر المعارضة باتوا يؤيدون صيغة «حكومة أقلية» برئاسة جادي آيزنكوت، معتمدين على شبكة أمان تشريعية توفرها القوائم العربية، مثل القائمة الموحدة والقائمة المشتركة، في مقابل تراجع حاد في تأييد الخيارات الأخرى؛ إذ لا يؤيد الائتلاف مع نتنياهو سوى 26%، فيما يفضّل 10% إجراء انتخابات جديدة، و5% التحالف مع الأحزاب الحريدية.
    دلالة السقوط: لا تعبّر هذه النسبة عن «براغماتية سياسية» بمعناها السليم بقدر ما تعكس حالة من الذعر واليأس المتفاقم داخل الجبهة الداخلية للكيان. فالجمهور هناك يبحث عن أي مخرج يوهمه بإمكانية إزاحة نتنياهو وترميم صورة النظام المهتز، حتى لو تطلّب الأمر تجاوز المحاذير الأيديولوجية الكبرى التي تأسس عليها الكيان.
  2. فضيحة «رام غيت»: تآكل السردية الصهيونية وتفكك المحرّمات
    يأتي التفاعل مع ما يُسمّى «رام غيت»، ومحاولات حكومة الاحتلال المؤقتة اتهام خصومها بالاستعانة بأصوات «مشتراة من الخارج»، ليكشف أن ورقة التحريض العرقي التقليدية لم تعد تجدي نفعاً في ترميم الانقسامات الداخلية.
    سقوط المحرّمات: إن قبول ناخبي المعارضة بالاستناد إلى أصوات ممثلي الداخل الفلسطيني، الذين حققوا حضوراً متصاعداً بلغ 19 مقعداً في الكنيست، يؤكد أن الهاجس الأساسي للشارع الإسرائيلي لم يعد يتمحور حول الحفاظ على الهوية الأيديولوجية الخالصة للائتلاف، بل بات ينصبّ على ترميم جبهته الداخلية المتصدعة، في مواجهة الأزمات الوجودية المتلاحقة. وهذا ما يشير إلى تراجع تدريجي في الخطوط الحمراء التي فرضتها المؤسسة الحاكمة على مدى عقود.
  3. الصدع الداخلي: نخب تعجز عن إدارة أزماتها
    اللافت في هذا المشهد أن الانقسام الحقيقي لم يعد أفقياً فحسب، بين اليمين واليسار، بل أصبح عمودياً وحاداً داخل معسكر المعارضة نفسه. فعندما يخرج قادة بارزون، مثل آيزنكوت وبينيت وليبرمان، ليرفضوا علناً ما تتطلع إليه قطاعات واسعة من قواعدهم الانتخابية، فإنهم يكشفون عن عجز سياسي وبنيوي يحول دون اتخاذ قرارات جريئة، مكتفين بالمناورة وتأجيل المواجهة مع الاستحقاقات السياسية.
    هذا التناقض الصارخ يعكس حالة من الترهل القيادي وغياب الرؤية الاستراتيجية، ويكشف نخباً تخشى مواجهة تناقضاتها الداخلية، وتعجز عن قيادة كيان سياسي تتآكل مقومات تماسكه من الداخل.
  4. هدية مجانية لنتنياهو: إدارة العبث والانقسام
    يستثمر بنيامين نتنياهو بمهارة في هذا العجز البنيوي، مستغلاً مخاوف خصومه وحرصهم على عدم الظهور بمظهر المتخلّين عن «ثوابت الصهيونية». وتقوم استراتيجيته على إبقاء خصومه أسرى هواجسهم الداخلية، ودفعهم نحو مزيد من الشلل السياسي، عبر التنافس على استرضاء التيارات اليهودية المتطرفة وتجنب الاصطدام بمواقفها الأيديولوجية.
    وهكذا يجد نتنياهو نفسه المستفيد الأكبر من حالة الانقسام والعجز التي يعيشها معسكر المعارضة، ليخرج منتصراً من ركام هذه الفوضى السياسية، لا بالضرورة بفعل امتلاكه مشروعاً قادراً على معالجة أزمات الكيان، بل نتيجة عجز خصومه عن بلورة بديل سياسي متماسك.
    الخلاصة
    يعيش الكيان الإسرائيلي مرحلة متقدمة من التآكل الداخلي، حيث تتخبط قياداته بين رغبة جامحة في الاستحواذ على السلطة وعجز واضح عن إدارة الاستحقاقات المعقدة لواقعها المأزوم.
    وبينما تغرق النخب السياسية في مستنقع الحسابات الضيقة والصراعات الشخصية والحزبية، تتكشف يوماً بعد يوم هشاشة البنية السياسية والاجتماعية لهذا الكيان، وتتسع التناقضات التي تهدد تماسك منظومته الداخلية.
    إن ما يجري لا يمثّل مجرد أزمة حكومية عابرة أو صراعاً تقليدياً على تشكيل الائتلافات، بل يعكس تصدّعاً أعمق في منظومة الشرعية والقيادة والقدرة على إدارة الصراعات الداخلية. فالشارع الذي يبحث عن طوق نجاة يسبق نُخبه في إدراك حجم المأزق، فيما تبدو هذه النخب عاجزة عن تقديم رؤية تتجاوز حسابات السلطة والبقاء.

وهكذا يمضي الكيان نحو مزيد من التصدع البنيوي، في ظل تناقضات داخلية تتراكم، وأزمات سياسية تتشابك، ومنظومة تبدو أكثر عجزاً عن احتواء ارتدادات أزماتها المتلاحقة.
د. نبيلة عفيف غصن