غروب الإثنوقراطية المريحة: كيف تلتهم خلافات اليمين ما تبقى من ديمقراطية الكيان؟.
نبال عمر
تُشبه الانتخابات البرلمانية “الإسرائيلية” في ظاهرها الممارسة الديمقراطية الاعتيادية لدولة طالما سوّقت نفسها في الغرب كالواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، غير أن النفاذ إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً، فلم تعد هذه المحطات مجرد صراع اعتيادي على تداول السلطة أو تقاسم المقاعد البرلمانية، بل تحولت إلى عملية جراحية قيصرية لإعادة هندسة هوية الكيان برمته ومحاكمة معلنة لمستقبل نموذج (الدولة المؤسسية) لصالح الجمهورية التوراتية المسيحانية التي تتشكل ملامحها ببطء وثبات، وسط ترقب ثقيل يجسد مخاضاً مجتمعياً يعيش أطول وأعقد مراحل الاستنزاف العسكري والسياسي في تاريخه.
تضرب جذور هذه المعركة الفعليّة في عمق التحولات السوسيولوجية التأسيسية للمجتمع، وهي التحولات التي وثقتها أدبيات علم الاجتماع السياسي “الإسرائيلي” حول مفهوم عرقية السياسة وتوزع المجموعات، وعلى رأسها الأبحاث المرجعية لعالميّ الاجتماع أشير أريان وميشال شامير في مؤلفهما (الانتخابات في “إسرائيل” 1992)، وبحوث باروخ كيمرلينغ، لقد بنى المؤسسون الأوائل من تيار الصهيونية العلمانية الأشكنازية دولة مركزية قائمة على قيم المؤسسة الفئوية المتمثلة في الجيش، الكيبوتس، والمؤسسات الأكاديمية والمصانع، مصممين إثنوقراطية صريحة توفر الرفاه والحريات للكتلة اليهودية المستعمرة مقابل استبعاد وتهميش تام لأصحاب الأرض الأصليين، وضمان هيمنة النخبة الغربية على مفاصل القرار، غير أن هذا النموذج انكسر تدريجيًا أمام تفتت المجتمع الاستيطاني إلى كتل وقبائل متصارعة، تباينت مصالحها وهوياتها الثقافية والعقائدية، ليستغل اليمين ببراعة جراح التهميش التاريخي التي تعرض لها اليهود الشرقيون (المزراحيم) على يد المؤسسة الأشكنازية، محولاً مظلوميتهم إلى مخزون انتخابي صلب لا ينضب لصالح حزب الليكود، في مفارقة تتمثل في أن السياسات الاقتصادية لليكود القائمة على الليبرالية النيوكلاسيكية وتقليص الرعاية الاجتماعية أضرت بهذه الطبقات المفقرة أكثر من غيرها، إلا أن الاستقطاب الهوياتي والشحن العرقي ظل يغطي على المصالح الاقتصادية المباشرة.
تتضح عمق هذه التحولات عند استدعاء الدروس التاريخية المفارقة ومقارنتها بالواقع الحالي، وخصوصاً انتخابات عام 1992 التي صاغ أبعادها الأكاديمية د. غاي بن بورات في أبحاثه حول تكتيكات نسبة الحسم، ففي ذلك العام، عانى اليمين “الإسرائيلي” من تفتت حاد في أحزابه الصغيرة -مثل حزب تحيا وتسوميت- وتناحرها الفردي بسبب الخلافات حول مؤتمر مدريد للسلام، مما أدى إلى سقوط أحزاب تحت نسبة الحسم وهدر الأصوات وفتح الباب على مصراعيه أمام فوز إسحاق رابين وحزب العمل وتوقيع اتفاقيات أوسلو.
أما اليوم، فبالرغم من أن تشتت اليمين وصراعاته البينية قرب نسبة الحسم (3.25%) يعيد تجسيد نفس الرعب البنيوي من ضياع الأغلبية (61 مقعداً)، إلا أن النتيجة تختلف بالكامل؛ إذ لا يصب تشتت اليمين اليوم في صالح أي بديل ليبرالي أو يساري اندثر عمليًا من المعادلة البرلمانية، بل يتحول التنافس اليميني الداخلي إلى مزاد علني في التطرف، ينتقل فيه الصراع من ثنائية اليمين واليسار التقليدية إلى اشتباك مصيري بين يمين مؤسسي محافظ يرغب في الحفاظ على قواعد اللعبة البيروقراطية والقانونية لتسيير شؤون الكيان، وبين يمين فاشي مسيحاني يرى في مؤسسات الدولة وقضائها مجرد عقبات يجب تفكيكها لتحقيق السيادة التوراتية المطلقة.
وتتجسد العقدة الأكثر خطورة في هذا التشريح على مستوى الاقتصاد السياسي وعلاقة الإنتاج بالنظام البنيوي، حيث يرتكز الكيان على معادلة تُعرف بحرب الفرس والأحمال.
تمثل طبقة الفرس القطاع التقني والعلماني والمحرك الاقتصادي الذي يتحمل أكثر من 80% من العبء الضريبي وواجب الخدمة العسكرية الطويلة، في مقابل طبقة الأحمال التي تتشكل من التحالف السياسي لليوم، وتحديدًا الأحزاب الحريدية المعفاة عقائدياً من الخدمة والمستنزِفة للميزانية، وتيارات الاستيطان الراديكالي التي تستهلك مليارات الشواكل لتأمين البؤر الاستيطانية، ولا يعبر هذا الصراع عن مظلومية أخلاقية للعلمانيين، فهم في نهاية المطاف مجندون في جيش الاحتلال وركائز لاقتصاده الاستعماري، بل يوضح حالة العبثية والإنهاك داخل المجتمع الاستيطاني؛ إذ تدرك الطبقة المنتجة أن جهدها وأموالها يُعاد توزيعها بقرارات سياسية لتغذية قطاعات طفيلية مقاطعة لمتطلبات الدولة الحديثة، مما دفع بآلاف الكفاءات نحو خيار الهجرة العكسية والصامتة والانكفاء، تاركين مقاليد النظام لتيارات لا ترى في الاقتصاد المعاصر سوى أداة لتمويل رؤيتها التلمودية.
ينعكس هذا التفاعل بين تفتت اليمين وضغط الطبقة المنتجة وزحف الفكر المسيحاني في تبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الكيان:
● سيناريو حسم اليمين المسيحاني (دولة الثيوقراطية القومية): في حال نجاح هندسة التحالفات اليمينية وتجاوز عتبة نسبة الحسم، يفرض التيار المتطرف أجندته عبر إلغاء الإدارة المدنية في الضفة الغربية ونقل صلاحياتها إلى وزارات مدنية لتثبيت الضم الفعلي، مع استكمال الانقلاب القضائي بتمرير (بند التغلب) وتدجين المحكمة العليا، مما يعني التحول النهائي من صيغة يهودية وديمقراطية (الزائفة) إلى ثيوقراطية إثنية قاحلة.
● سيناريو الجمود والإنهاك السياسي (حكومات هشّة واقتراع متكرر): في حال تكرار عقدة 1992 وسقوط أحزاب يمينية صغرى تحت نسبة الحسم، يدخل الكيان في دورة مفرغة من الشلل السياسي وتشكيل حكومات ائتلافية ضعيفة ومهتزة، تعجز عن اتخاذ أي قرارات استراتيجية، مما يعمق الفجوة والتآكل الداخلي.
● سيناريو الانهيار الهيكلي الصامت (التجريف الاقتصادي والهجرة العكسية): استمرار سيطرة الأجندة اليمينية والدينية يسرّع هجرة رؤوس الأموال والعقول من القطاعات التكنولوجية، وينخفض معه التصنيف الائتماني، مما يؤدي إلى انكسار النموذج الاقتصادي والعسكري التأسيسي وتحول الاستقطاب الداخلي إلى صراع بقاء بنيوي بين مكونات المجتمع الذاتية.
وتتجسد هذه السيناريوهات واقعياً في نتائج الفرز الأخيرة وتوزيع المقاعد الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية؛ إذ أظهرت المعطيات الميدانية عدم قدرة أي من المعسكرين المتنافسين على حسم عتبة الأغلبية المطلوبة (61 مقعداً) لتشكيل حكومة مستقرة بمفرده، فقد استقر تكتل اليمين القومي والمسيحاني بقيادة الليكود عند حدود 53 إلى 54 مقعداً موزعة بين الليكود، والأحزاب الحريدية (شاس ويهوديت هتوراة)، وقوى الصهيونية الدينية المتطرفة، فيما توقفت كتلة معارضة الوسط واليمين الليبرالي عند حدود 48 مقعداً، وفي المقابل، عززت القوائم العربية موقعها بحصولها على نحو 18 إلى 19 مقعداً، مما يحولها رقمياً إلى بيضة القبان الجبرية المفروضة على الحسابات البرلمانية، هذا التوزع الهش يثبت أن الاستقطاب الداخلي قد شل أداة الحكم ذاتها، مكرساً حالة من الانسداد السياسي المفتوح الذي يضع الكيان أمام خياري الابتزاز الائتلافي المتطرف أو الدخول في دورة جديدة من الشلل والانتخابات المتكررة.
تؤكد هذه التحولات في مجملها أن الانتخابات البرلمانية لم تعد وسيلة للخروج من الأزمة، بل أصبحت المرآة التي تعكس عمقها البنيوي، فكلا الطرفين في النهاية سواء من يبحث عن إثنوقراطية ليبرالية مريحة، أو من يسعى لثيوقراطية مسيحانية متطرفة ليسوا سوى وجهين لعملة استعمارية واحدة تختلف فقط في الأدوات وأشكال التجميل.
وهنا تبرز المفارقة الساخرة: كيف لكيان قام أصلاً على السلب واغتصاب الأرض أن يجزع عندما يبدأ غُلاته في سلب ومصادرة مكتسبات بعضهم البعض؟ ما جدوى الصندوق وما قيمة الاقتراع إذا كان خيار الناخب ينحصر في النهاية بين الاحتضار على يد جنرال يرتدي بزة عسكرية أنيقة ويدّعي الديمقراطية، أو السقوط في قبضة مستوطن يحمل التلمود بيد والرشاش باليد الأخرى؟ إن مجتمعاً استيطانياً يرى في التهرب من الضرائب والخدمة العسكرية فضيلة عقائدية، ويرى في الحروب المفتوحة شريعة إلهية، هو مجتمع لا يحتاج إلى من يهدم سقف هيمنته من الخارج؛ بل يكفيه أن يستمر في تسليم مقوده لمهووسي الخلاص ليتحكّموا بمصيره، حتى يأكل الكيان ذاته من الداخل.
المصدر/ بوابة الهدف
