مقدمة: واشنطن أمام ارتدادات الهزيمة وتآكل القدرة على فرض الإرادة
لم تعد التحركات الأميركية تجاه فنزويلا، ولا محاولات تطويق إيران والضغط عليها، قابلة للفهم باعتبارها ملفات منفصلة أو مجرد نزاعات على النفط والنفوذ. إنها أجزاء مترابطة من استراتيجية أميركية أوسع تسعى إلى حماية منظومة الهيمنة الدولية، وإعادة ضبط موازين القوة، والتحكم بمصادر الطاقة وممرات التجارة، ومنع القوى المناهضة للسياسات الأميركية من امتلاك أوراق استراتيجية قادرة على تغيير قواعد الاشتباك.
غير أن هزيمة دونالد ترامب والجمهوريين في الانتخابات النصفية تضع هذه الاستراتيجية أمام واقع سياسي جديد. فالنتائج الانتخابية لا تعني بالضرورة انهيار النفوذ الأميركي، لكنها تكشف تراجع الثقة الشعبية بالسياسات التي انتهجتها الإدارة، وتضيّق هامش المناورة السياسية، وتفتح الباب أمام مواجهة داخلية حول كلفة المغامرات الخارجية وأولويات الاقتصاد الأميركي.
إن ترامب الذي راهن على استعراض القوة، ورفع سقف التهديدات، واستخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية وسيلة لإخضاع الدول، يجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن مواصلة مشروع الهيمنة في الخارج، فيما تتآكل قاعدته السياسية في الداخل؟
من هنا تكتسب فنزويلا ومضيق هرمز أهمية استثنائية. فالأولى تمثل ورقة في معركة السيطرة على الموارد النفطية في أميركا اللاتينية، والثاني يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع المصالح الإيرانية والخليجية والآسيوية والأوروبية والأميركية.
والسؤال المركزي لم يعد ما إذا كانت واشنطن تمتلك أدوات الضغط، بل ما إذا كانت تستطيع استخدامها من دون أن ترتد نتائجها على مصالحها ومصالح حلفائها.
أولاً: هزيمة ترامب والجمهوريين… بداية انكشاف المشروع لا نهاية النفوذ الأميركي
تحمل الهزيمة الانتخابية لترامب والجمهوريين دلالات تتجاوز التنافس الحزبي التقليدي. فهي تعكس، في جانب منها، أزمة الثقة بالخطاب السياسي الذي جعل القوة الأميركية معياراً وحيداً للعلاقات الدولية، وقدم التصعيد والعقوبات والتهديدات بوصفها أدوات كافية لفرض التسويات.
لقد راهن ترامب على أن سياسة الضغط الأقصى قادرة على إخضاع الخصوم، وأن التهديد العسكري يمكن أن ينتزع تنازلات سياسية، وأن السيطرة على الموارد والممرات الاستراتيجية تمنح الولايات المتحدة قدرة دائمة على التحكم بمصائر الدول.
لكن التجارب أثبتت أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك النتائج.
فالحروب مكلفة، والعقوبات لا تنتج دائماً انهيار الخصوم، والضغوط قد تدفع الدول المستهدفة إلى تنويع تحالفاتها وبناء قدراتها وتعزيز استقلال قرارها.
والأهم أن الانقسام الداخلي الأميركي بات عاملاً لا يمكن تجاهله في حسابات السياسة الخارجية. فالإدارة التي تواجه معارضة انتخابية ومؤسساتية متزايدة تصبح أقل قدرة على تسويق مغامرات عسكرية طويلة ومكلفة، خصوصاً إذا ارتبطت بارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطن الأميركي.
ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين تراجع القوة السياسية للرئيس وبين انتهاء القدرة الأميركية على التدخل الخارجي. فالمؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية الأميركية تمتلك امتدادات ومصالح تتجاوز الحزب الذي يحكم البيت الأبيض.
لكن الهزيمة الانتخابية تفرض سؤالاً جديداً: إلى أي حد تستطيع واشنطن مواصلة سياسة المواجهة المفتوحة من دون تفويض داخلي مستقر؟
إنها بداية تضييق هامش المناورة، لا إعلان سقوط الإمبراطورية.
ثانياً: فنزويلا… النفط الذي لا يستطيع إنقاذ الاستراتيجية الأميركية وحده
تحتل فنزويلا موقعاً استثنائياً في خريطة الطاقة العالمية، إذ تمتلك احتياطات نفطية مثبتة ضخمة، لكنها تواجه مشكلات بنيوية في الإنتاج والتكرير والنقل والاستثمار.
فإنتاجها النفطي، وفق تقديرات السنوات الأخيرة، يدور في نطاق يقارب 1.1 إلى 1.2 مليون برميل يومياً، مع اختلاف الأرقام بحسب ظروف التشغيل والقيود التجارية والاستثمارية.
كما أن قسماً كبيراً من نفطها ثقيل وفائق الثقل، ويحتاج إلى تقنيات ومعالجات ومزج بمكونات أخرى قبل نقله وتكريره.
وهذا يعني أن امتلاك الاحتياطات لا يساوي امتلاك قدرة إنتاجية فورية، وأن إعادة تأهيل القطاع النفطي الفنزويلي تحتاج إلى استثمارات ضخمة، واستقرار تشغيلي، وتكنولوجيا متخصصة، ووقت طويل.
من هنا، لا يمكن التعامل مع فنزويلا باعتبارها بديلاً سريعاً عن نفط الخليج العربي، ولا باعتبارها صمام أمان قادراً على تعويض أي اضطراب واسع في مضيق هرمز.
لكن الأهمية الأميركية لفنزويلا تتجاوز حسابات الإمدادات المباشرة. فالمسألة تتصل أيضاً بإعادة بناء النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية، والتحكم بمسارات الاستثمار النفطي، وتقليص حضور المنافسين الدوليين، ولا سيما الصين وروسيا.
إن واشنطن لا تبحث عن براميل النفط فحسب، بل عن امتلاك مفاتيح القرار الاقتصادي والسياسي للدول المنتجة.
وهنا يظهر التناقض الأساسي: الولايات المتحدة التي ترفع شعار حرية الأسواق، تسعى في الوقت نفسه إلى استخدام العقوبات والضغوط السياسية لإعادة تشكيل الأسواق بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
غير أن فنزويلا ليست مجرد مساحة جغرافية قابلة لإعادة توزيع النفوذ، وشعبها ليس مادة خاماً في مشروع اقتصادي أميركي.
كما أن أي محاولة لفرض ترتيبات سياسية واقتصادية من الخارج ستظل معرضة لمقاومة داخلية ولتوازنات دولية لا تستطيع واشنطن التحكم بها منفردة.
ثالثاً: مضيق هرمز… الجغرافيا التي تكشف حدود القوة الأميركية
إذا كانت فنزويلا تمثل ورقة نفطية بعيدة جغرافياً عن الخليج العربي، فإن مضيق هرمز يمثل نقطة الاختناق الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية.
يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط السائل، إضافة إلى نسبة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الصادرات القطرية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وهذا الموقع يمنحه أهمية تتجاوز الدول المطلة عليه، ليصبح عاملاً مؤثراً في استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.
إن أي تعطيل كبير وممتد للملاحة في المضيق سيؤدي إلى اضطراب الإمدادات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتزايد المنافسة على مصادر الطاقة البديلة.
وقد يؤدي ذلك، في السيناريوهات القصوى، إلى قفزات حادة في أسعار النفط، مع احتمالات بلوغ مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل، بحسب مدة الأزمة وحجم الإمدادات المتأثرة والمخزونات المتاحة واستجابة الأسواق. وهذه أرقام سيناريوهات ضغط وليست توقعات مؤكدة.
لكن الخطر لا يتوقف عند النفط.
فارتفاع أسعار الطاقة ينتقل سريعاً إلى تكاليف النقل والصناعة والزراعة وإنتاج الأسمدة والغذاء. وتصبح الاقتصادات المستوردة أمام موجة تضخمية قد تترافق مع تباطؤ النمو وارتفاع البطالة.
وهنا تظهر المفارقة الأميركية الكبرى: تستطيع واشنطن امتلاك تفوق عسكري واسع في المنطقة، لكنها لا تستطيع ضمان أن تبقى التداعيات الاقتصادية لأي مواجهة محصورة في المجال الذي تختاره.
فإيران ليست مجرد دولة منتجة للطاقة، بل دولة تقع في موقع جغرافي بالغ الحساسية، وتمتلك شبكة علاقات إقليمية وأوراق تأثير سياسية واستراتيجية.
وبالتالي، فإن أي مواجهة واسعة معها لا يمكن اختزالها في ميزان القوة العسكرية التقليدي، بل يجب احتساب آثارها على التجارة العالمية وأسواق الطاقة ومصالح القوى الاقتصادية الكبرى.
إن الجغرافيا لا تلغي التفوق العسكري، لكنها تضع له حدوداً، وتجعل كلفة استخدامه أكبر بكثير مما توحي به الحسابات العسكرية المجردة.
رابعاً: خطوط الأنابيب الخليجية… محاولة لتجاوز هرمز لا لإلغاء أهميته
تدرك الدول الخليجية أن اعتماد صادراتها على مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف استراتيجية، ولذلك عملت على تطوير مسارات بديلة.
يمثل خط شرق–غرب السعودي، المعروف باسم بترولاين، أحد أبرز هذه المشاريع، إذ ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ طاقته التصميمية نحو سبعة ملايين برميل يومياً، مع اختلاف القدرة المتاحة فعلياً بحسب متطلبات الاستهلاك المحلي وسعات التخزين والتحميل.
كما تمتلك الإمارات خط حبشان–الفجيرة، الذي ينقل النفط إلى خليج عُمان متجاوزاً مضيق هرمز، بطاقة تصميمية تقارب 1.5 مليون برميل يومياً.
هذه المشاريع توفر هامشاً مهماً من المرونة، لكنها لا تلغي الاختناق الجغرافي.
فالتدفقات النفطية التي تمر عبر مضيق هرمز تقدر بنحو 15 إلى 17 مليون برميل يومياً في السنوات الأخيرة، بينما تبقى القدرات البديلة محدودة مقارنة بهذا الحجم.
كما أن المسار السعودي نحو البحر الأحمر لا يخلو من تحديات أمنية ولوجستية، خصوصاً في ظل أهمية باب المندب والتوترات المحيطة به.
وهكذا، فإن تجاوز نقطة اختناق قد يضع الإمدادات أمام نقطة أخرى.
إن المشكلة ليست في غياب الأنابيب وحدها، بل في أن الاقتصاد العالمي لا يستطيع إعادة تشكيل جغرافيته التجارية خلال أيام أو أسابيع لمواجهة أزمة إقليمية واسعة.
وهذا ما يجعل مضيق هرمز ورقة استراتيجية شديدة التأثير، حتى في ظل وجود البدائل.
خامساً: لماذا لا تستطيع واشنطن تطويق إيران وفصلها عن محيطها الإقليمي؟
تقوم الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران على مجموعة من الأدوات المتداخلة: العقوبات الاقتصادية، والضغط الدبلوماسي، والوجود العسكري، والتحالفات الإقليمية، ومحاولات الحد من علاقاتها الاقتصادية والسياسية الدولية.
لكن هذه الأدوات لم تنتج حتى الآن إخضاعاً استراتيجياً كاملاً لإيران.
فالضغوط الاقتصادية قد تستنزف الاقتصاد وتفاقم الأعباء الاجتماعية، لكنها لا تضمن انهيار الدولة أو تخليها عن خياراتها السيادية.
كما أن محاولات عزل إيران تصطدم بمصالح قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، وبحاجة دول آسيوية عديدة إلى استقرار أسواق الطاقة والتجارة.
والأهم أن إيران لا تتحرك في فراغ إقليمي.
فثمة علاقات سياسية واستراتيجية تربطها بقوى مختلفة في المنطقة، تتقاطع مصالحها في رفض إخضاع القرار الوطني للضغوط الخارجية، وفي مواجهة الاعتداءات والتدخلات التي تستهدف استقلال دول المنطقة.
وهنا تبرز أهمية فلسطين ولبنان والعراق وسوريا الشام، ليس باعتبارها ساحات متطابقة أو خاضعة لقرار واحد، بل باعتبارها مواقع متداخلة في صراع إقليمي يتصل بمستقبل السيادة والاستقلال والتوازنات الأمنية.
إن محاولة تطويق إيران لا يمكن فصلها عن محاولات إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها، وإضعاف القوى التي ترفض الشروط الأميركية والصهيونية.
لكن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة أساسية: لا يمكن بناء استقرار إقليمي دائم على إخضاع الدول، ولا يمكن إلغاء الإرادات السياسية والاجتماعية بالقوة وحدها.
سادساً: فلسطين ولبنان وسوريا الشام… وحدة الترابط الاستراتيجي
لا يمكن قراءة معادلة هرمز وفنزويلا بمعزل عن الصراع في فلسطين ولبنان وسوريا الشام.
فالمشروع الأميركي لا يقتصر على حماية طرق الطاقة، بل يتصل أيضاً بضمان التفوق الاستراتيجي للكيان الصهيوني، وإعادة ترتيب المنطقة بما يمنع نشوء توازنات مستقلة قادرة على تحدي الهيمنة الخارجية.
في فلسطين، تتجلى أزمة المشروع الصهيوني في اتساع الاعتراض الدولي على سياساته، وتزايد الضغوط الشعبية والسياسية في الدول الغربية، رغم استمرار الدعم الرسمي الأميركي والغربي.
وفي لبنان، تكشف الاعتداءات والتهديدات المستمرة أن مسألة السيادة والأمن الوطني لا يمكن فصلها عن طبيعة التوازنات الإقليمية وعن حق الدولة والمجتمع في حماية أرضهما واستقلالهما.
أما في سوريا الشام، فإن التوغلات الصهيونية والضغوط الخارجية ومحاولات فرض ترتيبات أمنية وسياسية تخدم مصالح القوى الأجنبية تكشف أن الصراع لا يتعلق فقط بشكل السلطة، بل بمستقبل الدولة ووحدة أرضها واستقلال قرارها.
إن تحويل سوريا الشام إلى مساحة نفوذ متنازع عليها، أو إلى منطقة عازلة عن محيطها الطبيعي، لا يحقق الاستقرار، بل يفتح الباب أمام مزيد من التفكك والتدخلات.
والأمر نفسه ينطبق على العراق، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية على خلفية الموقع الجغرافي والثروة النفطية والارتباطات السياسية.
من هنا، فإن الترابط بين هذه الساحات ليس مجرد شعار سياسي، بل حقيقة جيوسياسية تفرضها الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والتداخل الأمني.
لكن تحويل هذا الترابط إلى قوة سياسية مستدامة يتطلب رؤية مشتركة، ومؤسسات قادرة، وقراراً مستقلاً، واحتراماً لخصوصيات المجتمعات والدول، بعيداً عن التبعية لأي قوة خارجية.
سابعاً: من يدفع ثمن المغامرة الأميركية؟
إن أخطر ما في الاستراتيجية القائمة على التهديد والتصعيد هو أن كلفتها لا تقع بالضرورة على الأطراف التي تقررها.
فإذا تعرض مضيق هرمز لاضطراب واسع، ستتضرر الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، إلى جانب الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة والغذاء.
وستواجه الدول الخليجية معضلة مزدوجة: حماية صادراتها ومصالحها الاقتصادية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية قد تجعل أراضيها ومرافقها الحيوية جزءاً من تداعيات الصراع.
أما الولايات المتحدة، فقد تحقق بعض شركاتها النفطية مكاسب من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على صادرات الطاقة، لكن الاقتصاد الأميركي نفسه لن يكون بمنأى عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتضخم.
وهنا تتكشف مفارقة أخرى: قد تحقق قطاعات اقتصادية محددة أرباحاً من الأزمات، بينما تتحمل المجتمعات أعباءها المعيشية والاقتصادية.
إن تحويل الطاقة إلى أداة ابتزاز سياسي لا يصنع أمناً مستداماً، بل يضاعف هشاشة الاقتصاد العالمي ويزيد احتمالات الصدام بين القوى الكبرى.
ثامناً: ما بعد هزيمة ترامب… هل تتغير قواعد اللعبة؟
تفتح الهزيمة الانتخابية لترامب والجمهوريين الباب أمام مرحلة من إعادة الحسابات الأميركية.
فالرئيس الذي خسر دعماً انتخابياً مهماً سيجد نفسه أمام معارضة أكثر قدرة على مساءلة سياساته، ومراقبة الإنفاق، ومناقشة جدوى التصعيد الخارجي، وطرح بدائل اقتصادية وسياسية.
وقد يدفع ذلك الإدارة إلى مراجعة بعض خياراتها، أو تخفيف اندفاعها نحو المواجهات المكلفة، أو البحث عن تسويات تحفظ المصالح الأميركية من دون الدخول في حروب مفتوحة.
لكن ثمة احتمالاً آخر لا يجوز تجاهله: أن تلجأ الإدارة إلى تشديد خطابها الخارجي لإظهار الحزم واستعادة المبادرة السياسية، أو أن تحاول توظيف الأزمات الدولية في مواجهة خصومها الداخليين.
لذلك، لا ينبغي اعتبار الهزيمة الانتخابية ضمانة لتراجع التصعيد، بل عاملاً جديداً في حسابات القرار الأميركي.
والأهم أن نتائج الانتخابات ستؤثر في قدرة الإدارة على تسويق الحروب أمام المجتمع الأميركي، وفي مدى استعداد الكونغرس لمنحها الغطاء السياسي والمالي اللازم.
إن واشنطن تدخل مرحلة يصبح فيها السؤال عن كلفة الهيمنة أكثر إلحاحاً من السؤال عن قدرتها العسكرية.
وهذا تطور بالغ الأهمية بالنسبة إلى إيران وفلسطين ولبنان وسوريا الشام والعراق، لكنه لا يعفي القوى الإقليمية من ضرورة بناء قدراتها الذاتية، وتعزيز تماسك مجتمعاتها، وصياغة مشروع سياسي واقتصادي مستقل.
خاتمة: الجغرافيا أقوى من أوهام السيطرة، وإرادة الشعوب ليست سلعة
تكشف معادلة فنزويلا ومضيق هرمز أن الولايات المتحدة تواجه تناقضاً استراتيجياً متزايداً: فهي تريد التحكم بمصادر الطاقة وممرات التجارة، وتطويق القوى التي ترفض سياساتها، لكنها لا تستطيع ضمان السيطرة على نتائج الأزمات التي تخلقها أو تغذيها.
النفط الفنزويلي لا يستطيع تعويض إمدادات الخليج العربي بسرعة، وخطوط الأنابيب لا تستطيع استيعاب كامل التدفقات التي تمر عبر هرمز، والمخزونات الاستراتيجية لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة ممتدة.
كما أن التفوق العسكري لا يمنح واشنطن حصانة من الارتدادات الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة واسعة.
أما هزيمة ترامب والجمهوريين، فتضيف إلى هذه المعادلة عاملاً داخلياً بالغ الأهمية: تراجع الغطاء السياسي الذي تحتاج إليه الإدارة لمواصلة سياسة المغامرات الخارجية بلا مساءلة.
لقد بات واضحاً أن زمن القدرة الأميركية على فرض الوقائع من دون حساب ردود الفعل يتراجع، وأن العالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، وإن لم يكن ذلك يعني اختفاء التفوق الأميركي.
إن مستقبل المنطقة لن يُحسم بصفقات النفط وحدها، ولا بالعقوبات، ولا باستعراض حاملات الطائرات، بل بقدرة دولها ومجتمعاتها على امتلاك قرارها، وبناء مؤسساتها، وحماية مواردها، وصياغة علاقات متوازنة مع العالم.
ومن فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا الشام إلى العراق وإيران، تبقى القضية المركزية هي حق المجتمعات في السيادة والاستقلال وتقرير المصير، بعيداً عن الإملاءات الأميركية والصهيونية والتدخلات الإقليمية.
إن واشنطن تستطيع أن تضغط، وأن تعاقب، وأن تحشد حلفاءها، لكنها لا تستطيع أن تلغي الجغرافيا، ولا أن تشتري إرادة الشعوب، ولا أن تضمن أن تبقى الحروب التي تفتعلها تحت سيطرتها.
لقد كشفت هزيمة ترامب حدود القوة السياسية في الداخل الأميركي، فيما تكشف معادلة هرمز حدود القوة الاستراتيجية في الخارج. وبين الهزيمتين تتسع المساحة أمام عالم جديد، لا تكون فيه الهيمنة الأميركية قدراً محتوماً، ولا تكون فيه سيادة الشعوب امتيازاً تمنحه واشنطن وتسحبه متى تشاء.
د. نبيلة عفيف غصن