نامي قريرة العين أيتها الطفولة.. قولي لربك: بأي ذنبٍ قُتلنا؟ ومن أعطى هذا العالم الحق في أن يتركنا للموت؟

الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي

نامي قريرة العين أيتها الطفولة.. اذهبي إلى خالقك، واحملي معك حكاية وطنٍ لم يستطع العالم أن يحمي صغاره، وقولي: يا رب، بأي ذنبٍ قُصفنا؟ وبأي جريمةٍ انتُزعت أرواحنا قبل أن نعرف معنى الحياة؟ لماذا لم نكبر؟

لماذا لم نذهب إلى مدارسنا؟

ولماذا تحولت بيوتنا إلى قبورٍ احتضنت أحلامنا؟

قولي له إننا لم نحمل سلاحاً، ولم نهدد أحداً، ولم نكن طرفاً في صراع الكبار، كنا فقط أطفالاً نبحث عن حضن أمهاتنا، وعن رغيف خبز، وعن صباحٍ هادئ، وعن لعبةٍ صغيرة، وعن مستقبلٍ يشبه أحلام بقية أطفال العالم.

لكن الغارات السعودية، وفق ما أعلنته السلطات اليمنية وما نقلته وسائل إعلام دولية، وصلت إلى منازلنا، وانتزعت منا حقنا في الحياة والأمان.

يا لوجع اليمن حين يصبح موت أطفاله خبراً، وحين تتحول صرخات أمهاتهم إلى مشاهد عابرة على شاشات العالم!

في بني حشيش شرقي العاصمة صنعاء، لم تكن الغارات التي وقعت في السابع من نوفمبر 2026 مجرد أصوات انفجارات في سماء منطقة سكنية؛ بل كانت مأساة إنسانية هزّت وجدان اليمنيين. منازل مأهولة دُمرت، وأطفال ونساء بين القتلى والجرحى، وأسرٌ وجدت نفسها أمام فقدٍ لا تستطيع الكلمات احتواءه.

وأعلنت وزارة الصحة اليمنية في حصيلة أولية سقوط 22 شهيداً وإصابة 30 آخرين، فيما نقلت رويترز لاحقاً حصيلة بلغت 33 قتيلاً و39 جريحاً، مع استمرار البحث عن ضحايا تحت الأنقاض. وأشارت التقارير إلى أن غالبية الضحايا من النساء والأطفال، بينما تحدث مسؤول صحي عن تعرض فرق الإنقاذ للخطر أثناء عمليات انتشال الضحايا.

تخيلوا أماً يمنية كانت ترتب فراش أطفالها قبل النوم، وتفكر في وجبة الغد، وفي ملابس المدرسة، وفي احتياجات صغارها، ثم وجدت نفسها تبحث عنهم بين الحجارة والركام!
تخيلوا طفلاً كان ينتظر عودة أبيه، وطفلة كانت تحلم بفستان العيد، ورضيعاً لم يعرف من الدنيا سوى دفء أمه، فإذا بالحرب تنتزع منهم حتى فرصة اكتشاف الحياة.
أيُّ قسوةٍ هذه التي تجعل طفلاً يدفع ثمن حرب لم يخترها؟ وأيُّ جريمةٍ أكبر من أن يُحرم إنسان من حقه في أن يكبر؟

الطفولة اليمنية.. ضحية حرب لا ترحم

لم تكن مأساة أطفال اليمن وليدة غارة واحدة، بل امتداداً لسنوات من الحرب والدمار والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية والصحية.
أطفال حُرموا من المدارس، وآخرون حُرموا من العلاج، وآلاف الأسر وجدت نفسها أمام الجوع والنزوح وفقدان المأوى.

وفي سبتمبر 2026، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة من أن أكثر من 12 مليون طفل في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وأن أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد، بينهم مئات الآلاف ممن يواجهون سوء تغذية حاداً شديداً.

وفي أكتوبر 2026، أعلنت الأمم المتحدة توثيق أكثر من 60 انتهاكاً جسيماً بحق الأطفال منذ الثالث من سبتمبر، محذرة من أن تصاعد الأعمال العدائية يعرض جيلاً جديداً للخوف والنزوح والأذى.

هذه ليست أرقاماً باردة؛ وراء كل رقم وجه طفل، واسم أم، وبيت، وحكاية لم تكتمل.

إلى من قصفوا المنازل.. وإلى من يملكون قرار الحرب
إن دماء الأطفال ليست تفصيلاً عسكرياً، ولا خسائر جانبية يمكن تجاوزها ببيان سياسي أو تبرير عسكري.

إن استهداف المنازل المأهولة وتعريض المدنيين للخطر يضع المسؤولين عن تلك الهجمات أمام مقتضيات القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين ويفرض حماية السكان والأعيان المدنية.

وإذا ثبت تعمد استهداف المدنيين أو فرق الإنقاذ، فإن الأمر يستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً ومساءلة قانونية لا تستثني أحداً.

فلا سلطة سياسية تمنح حصانة من العدالة، ولا قوة عسكرية تستطيع أن تمحو حقوق الضحايا، ولا مرور السنوات يستطيع أن يجعل دماء الأبرياء بلا قيمة.

أين العالم من طفولة اليمن؟
إلى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والطفولة:

كم طفلاً يمنياً يجب أن يفقد حياته حتى تتحول بيانات القلق إلى إجراءات حقيقية؟

كم أماً يجب أن تخرج من تحت الأنقاض وهي تبحث عن أبنائها حتى يتحرك الضمير الدولي؟

وكم بيتاً يجب أن يُهدم فوق رؤوس ساكنيه حتى يصبح أمن أطفال اليمن أولوية لا بنداً مؤجلاً في الملفات السياسية؟

إن صمت المؤسسات الدولية، وعجزها عن توفير الحماية الفعلية للمدنيين، يطرحان أسئلة ثقيلة عن جدوى منظومة دولية تتحدث عن حقوق الإنسان، بينما لا يزال أطفال اليمن يواجهون أخطار الحرب والحرمان.

لن تكون دماء أطفال اليمن حكاية منسية
يا صغيرتي، يا من غادرتِ قبل أن تتعلمي كتابة اسمك، ويا من لم تمنحك الحياة فرصة ارتداء حقيبتك المدرسية، ويا من كنتِ تحلمين أن تصبحي طبيبة أو معلمة أو إعلامية..

يا طفلنا الذي لم يعرف لماذا اهتز سقف منزله، ولماذا اختفى صوت أمه، ولماذا لم يعد أبوه إلى البيت..

ليس ذنبكم أنكم وُلدتم في بلدٍ أنهكته الحروب، وليس ذنبكم أنكم كنتم في المكان الذي وصلت إليه الغارات.
ناموا قريري الأعين.. فأنتم عند ربٍّ لا تضيع عنده المظالم، أما نحن فستظل مسؤوليتنا أن نحفظ أسماءكم، ونوثق ما حدث لكم، ونطالب بحقكم في العدالة.

قلوبنا موجوعة، ودموع الأمهات لا تجف، وذاكرة اليمن لن تتخلى عن أطفالها.
لن نجعل من وجع الأمهات دعوة إلى قتلٍ جديد، بل سنجعل منه صوتاً لا يهدأ للمطالبة بالعدالة والمحاسبة، ووقف الاعتداءات، وحماية ما تبقى من الطفولة.

إن الثأر الحقيقي لدماء الأطفال هو ألا تتكرر الجريمة، وألا يفلت المسؤولون عنها من المحاسبة، وألا يُترك طفل يمني آخر لمصيرٍ يشبه مصيرهم.

يا عالم، انظروا إلى أطفال اليمن جيداً..

إنهم لا يطلبون قصوراً ولا امتيازات، ولا يريدون أكثر مما يملكه أطفالكم: بيتاً آمناً، ومدرسة، ودواءً، وطعاماً، وأماً تحتضنهم كل مساء.
فبأي ذنبٍ قُصفنا؟

هذا هو السؤال الذي سيبقى معلقاً في ضمير الإنسانية، حتى تتحقق العدالة، ويُحاسب المسؤولون، ويعيش أطفال اليمن كما يستحق الأطفال أن يعيشوا.

بدور ثابت قائد الديلمي
الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية