سقوط الأقنعة عند عتبات الفاجعة: بين دماء الأبرياء، عويل المرتزقة، والنفاق العالمي المتفشي
أ.محمد البحر المحضار
كيف يستقيم في ميزان العقل والإنسانية أن تفيض دموع التماسيح سخينة على مقاتلين قُتلوا في ثكناتهم العسكرية بعد إعذار وإنذار، بينما تُصمُّ الآذان وتُغضُّ الأبصار عن أشلاء الرضع والأطفال والنساء التي تناثرت بين ركام المنازل الآمنة في القرية الشريّة المزكاة بدمائها؟
أين كانت هذه الضمائر المستفِقة وزمرة المنافقين حين دُكّت الأحياء السكنية فوق رؤوس ساكنيها بدمٍ بارد؟
لماذا تحولت المبادئ الأخلاقية لدى أدوات العدوان والمجتمع الدولي إلى سلعة رخيصة تُكال بمكيالين؛ يُبكى فيها على من اختار ساحة الوغى بقدميه، ويُصمت فيها عن جنايات القتل الجائر بحق المدنيين في منازلهم وأسواقهم؟
إنها ليست مجرد تساؤلات عابرة، بل هي حقيقةٌ ناصعة تضع النقاط على الحروف وتفصل بين الحق والباطل؛ لتفضح هشاشة الخطاب الإعلامي للمرتزقة وتعرّي النفاق الإقليمي والدولي الذي شَرَعَن سفك الدم اليمني وحاصر شعباً كاملاً لأكثر من عقدٍ من الزمان.
محرقة شبوة وسقوط رواية المرتزقة: من يُجند الأطفال؟
لقد تابع الجميع بكل استهجان تلك الحملات الإعلامية الممنهجة والتباكي المستميت الذي مارسته أبواق العدوان عقب الضربة المركزية المسددة التي وجهتها قواتنا المسلحة لأحد المعسكرات التابعة لمرتزقة العدوان السعودي في محافظة شبوة.
ضربةٌ مؤزرة لم تكن غدرًا ولا مجازفة، بل سبقتها إنذارات مكررة وتنبيهات مسبقة صريحة صادرة عن المتحدث العسكري ومن قيادة محافظة شبوة في صنعاء، حذّرت من خطورة التحشيد والاستمرار في إعداد القوات للعدوان، لكن الصمّ والبُكم آثروا الإصرار وركوب رأس الغي.
قتلى معسكر شبوة سقطوا في ثكنة عسكرية وميدان إعداد قتالي في عمق المعركة، ولم يُستهدفوا في أسواقهم ولا في دورهم الآمنة! ومن الطبيعي البديهي في العرف العسكري وقواعد الحروب أن تكون المعسكرات في صدارة بنك الأهداف المشروعة.
ومن يذهب إلى المعسكر فإنه يذهب لِيَقتُل أو يُقتَل.
أما الطامة العظمى والمفارقة المكشوفة، فهي محاولة توظيف وجود بعض صغار السن بين صرعى ذلك المعسكر للغمز واللمز في قناة أنصار الله!
ونسي أولئك المنافقون أن هذه الضربة بالذات قد فضحت المجرم الحقيقي الذي يجند الأطفال، ويستغل جهلهم وظروفهم المعيشية ليزج بهم في المحارق رغبةً في كسب المال الدنس!
دُكّت معاقلهم فبانت الحقائق وشهد الواقع على من يستغل طفولة البرآء ويضحي بهم في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
فاجعة الاستهداف الجائر: طفولة تُذبح على عتبات المنازل
في المقابل، تعالوا لنرى المشهد على حقيقته دون تزييف؛ في بني حشيش وبالتحديد في قريتنا الشريّة الأبية، لم تكن هناك معسكرات ولا جبهات قتال، بل أطفال ورضع ونساء ينامون في منازلهم، قُصفوا باعتداء غاشم وتجرد كامل من القيم والإنسانية.
أيّ قلبٍ يمتلك القدرة على احتواء المشهد المأساوي والأب المكلوم يحمل طفلته الشهيدة المضمخة بغبار الركام ويقبلها قبلة الوداع وهو يصرخ في وجه هذا العالم المنافق: “بأي ذنبٍ قُتلت؟!”..
صور تفتت الصخر، وأشلاء تُرفع من تحت الأنقاض تصرخ في وجه كل من صمت وتغافل عن جرائم العدوان الذي لم يسلم منه شيء: من قصف صالات الأفراح والمناسبات والعزاء، إلى استهداف ذوي الاحتياجات الخاصة، والأسواق، بل وحتى الحيوانات والدواجن والخيول!
تاريخٌ إجرامي أسود يتطابق كلياً مع ما يمارسه الكيان الصهيوني والماسونية العالمية، أسياد أولئك المرتزقة الذين يدّعون مواجهتهم كذباً وبهتاناً.
وما هذه المجزره ولا هذى الجريمة إلا امتداد وتواصل لمجازر وجرائم كثيره سبقتها طيلة عقد ونيف من الزمن في اليمن.
سيناريوهات السقوط الأخلاقي: قراءة في ردود أفعال النفاق المعتادة:
حين تسقط الدماء الطاهرة للأبرياء والنساء والأطفال في المنازل المستهدفة، لا تتوقف مهزلة المنافقين عند حدود الصمت والتغافل فحسب، بل تتخذ مسارات مفضوحة تكشف غرقهم الكامل في مستنقع التزييف؛ وهنا تبرز بوضوح السيناريوهات المتوقعة لأبواق العدوان ودوائر إفلاسهم:
- السيناريو الأول (الصمت المطبق والتواطؤ المسبق): يصمت الجميع صمت القبور، فلا إدانة تُذكر ولا استنكار يُسجل، وكأن شيئاً لم يحدث وكأن دماء الأطفال الأبرياء ريشة في مهب الريح؛ وحين يتحرك الرد اليمني الزلزالي ليدك حصون المعتدين انتقاما وثأرا لتلك الدماء الطاهرة وكحق مشروع ودفاع أصيل، تنفجر أبواقهم في الداخل والخارج بالصراخ والعويل، مستنكرين الرد ورافعين شعار “الاعتداء السافر”.
- السيناريو الثاني (قلب الحقائق وتبرير الجاني): تسخير الذباب الإلكتروني والأبواق المأجورة لامتصاص الصدمة وتوجيه بوصلة الاتهام نحو الضحية؛ فيزعمون بوقاحة أن لولا وجود الدولة والجيش في صنعاء لما سقط أولئك الشهداء، وكأن الصواريخ التي مزقت أجساد الأطفال هي صواريخ انصار الله وليست غارات حاقدة لتحالف العدوان، محاولين عبثاً
إلباس الجاني ثوب الضحية وتحويل القاتل الحقيقي إلى منقذ مزعوم.
- السيناريو الثالث (استغلال الدم والابتزاز العاطفي الرخيص): استنهاض مشاعر عائلات المغرر بهم والمخدوعين للبكاء على ضحاياهم الذين سقطوا في جبهات القتال والثكنات العسكرية، وخلط الأوراق عمداً بالقول الملتوي: “ألم تذوقوا ألم الفقد حين سقط أبناؤكم في معسكرات شبوة؟ فلماذا تحزنون اليوم؟”، في محاولة قذرة لتبرير جرائم استهداف المدنيين عبر المقارنة الباطلة بين من يسقط مقاتلاً في ميدان المعركة وبين طفل ينام آمناً في فراشه.
النفاق العالمي والإقليمي: الدفاع عن العروش لا عن المقدسات
أين هو المجتمع الدولي و”الشرعية الدولية” المفصلة على مقاس الاستكبار؟
أين هم من تدين ألسنتهم رد المقاومة الإسلامية والجمهورية الإسلامية في إيران على الصهاينة المجرمين، وتستنكر ضربات اليمن في عمق النظام السعودي المعتدي، بينما تلتزم الصمت المطبق أمام مذابح الأعيان المدنية وتدمير غزة العزة وفلسطين الحبيبة واليمن الذي ينزف ولبنان التي تدمر وإيران التي تحاصر والعراق الذي يمزق؟
أين أولئك العرب والمسلمون الذين احتشدوا خلف المال السعودي بحجة “الدفاع عن المقدسات ومكة والمدينة”؟
إنهم اليوم يهرولون نحو التطبيع والخزي مع من دنس المسجد الأقصى وأولى القبلتين، ويتحالفون ضد محور المقاومة في اليمن وإيران ولبنان والعراق! بل وعلى اخوتنا فصائل المقاومة في فلسطين.
أين من ادعوا حماية الكعبة المشرفة وهم يسكتون عن من دنس أرض الحرمين بإدخال الحفلات والمجون، وهدم الهيبة الأخلاقية لأرض الوحي؟
تباً لعالمٍ منافق، وأمةٍ جعلت الحزن والعزاء بحسب الأهواء والدولارات المعتدية!
رسالة إلى أهلنا في شبوة خاصة والمحافظات اليمنية عامة:
نتوجه بحرص وألم، وبنداء أخوي صادق، إلى أهلنا وإخواننا وأخواتنا في شبوة خاصة، وفي جنوب اليمن وشماله وشرقه وغربه عامة:
يا أهلنا.. يا من صرختم وبكيتم على من ذهبوا هدراً وسقطوا في معسكرات العدوان بشبوة، أين أصواتكم ومواقفكم من أطفال اليمن والنساء النائمات في بيوتهن؟
أين تنديدكم بمقتل الأبرياء الآمنين في منازلهم؟
لقد انجلت الحقيقة وسقطت الأقنعة، وتبين أن أبواق العدوان ليسوا سوى أدوات رخيصة، عويلهم كاذب ومشاعرهم زائفة، لا يتحركون إلا وفق توجيهات الممول والمعتدي!
صمود حيدري وبأس لا ينكسر:
رغم فداحة الخطب وحجم الألم الذي يعصر قلوبنا على دماء نسائنا وأطفالنا، إلا أن هذا الشعب العظيم لا يعرف الانكسار.
من بين الأنقاض، ومن تحت أدخنة الصواريخ الإجرامية، يخرج اليمني بصوت القوة والاستبسال، متسلحاً بالبأس الحيدري والإيمان المطلق.
إن هذه المجازر لن تزيدنا إلا صموداً وثباتاً، وصبراً وصلابة، وإصراراً على مواجهة المجرمين وتطهير أرضنا من رجسهم.
#أما_بعد …
حين يُسفك دم المقاتل في قلب المعسكرات—حيث تُقرع طبول المواجهة ويحشد المحشدون، وبعد أن تُوجّه لهم التحذيرات تلو الأخرى فلا يرتدعون—ثم يقتلون— تخرجون حينها بدموع التماسيح، تتلاعبون بالمشاعر وتوظّفون دماءهم استعراضياً وزوراً!
فأين كانت عيونكم، وأين سقطت ضمائركم الميتة، وأين صراخكم المزعوم حين غُطّست الطفولة البريئة في الدماء، واستُهدفت الأعيان المدنية والمنازل الآمنة على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال والرجال منذ 12 عام وآخرها في بني حشيش!
أي بصر وبصيرة تلك التي تبكي على من اختار ساحة الوغى، وتعمى عن أبٍ يودع طفلته الشهيدة بقلبٍ يعتصره الألم ويفيض بغضب الثأر!
سحقا لكل منافقٍ أثيم، والويل لمن تجرد من إنسانيته وبيع ضميره في سوق المزايدات الرخيصة.
وليعلم كل قاتل جبان أن دماء الأبرياء ليست هَدراً، وأن الثأر دينٌ في العنق وواجبٌ شرعي لا تسقط حرارته بتقادم الأيام؛ وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين!
مدير عام مكتب التخطيط – م/شبوة
البحر المحضار
