في مشهد يعكس تحولاً أعمق مما يبدو للوهلة الأولى، تتقاطع خلال ساعات قليلة ثلاث روايات متباينة ترسم ملامح جولة جديدة من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وتكشف عن حرب نفسية متبادلة تسبق أي مواجهة ميدانية محتملة، لكنها في جوهرها تعبير عن واقع استراتيجي جديد فرضته طهران على الأرض خلال سنوات من الصمود والمواجهة.
الرواية الأولى جاءت من العلاقات العامة للقوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية، التي أعلنت عن انفجار ناقلتين للنفط في مضيق هرمز بعد اصطدامهما بألغام بحرية، واصفة الناقلتين بأنهما “مخالفتان” قامتا بإطفاء أنظمة الملاحة وتحديد المواقع ومحاولة عبور مسار غير مسموح به. وحمل البيان تحذيراً صريحاً لكل سفينة تتعاون مع “الجيش الأمريكي المعتدي والنهّاب” بأنها “ستصطدم حتماً بلغم”، في إشارة واضحة إلى أن طهران لم تعد تتعامل مع المضيق كمساحة دولية مفتوحة، بل كمجال سيادي تخضع فيه حركة الملاحة لقواعدها وإرادتها.
الرواية الثانية جاءت من وكالة “تسنيم” الإيرانية، التي نفت نقلاً عن مصدر مطلع الأنباء المتداولة عن وقوع استهداف في جزيرة قشم، في محاولة لاحتواء موجة التكهنات التي انطلقت عقب التقارير الأولى عن الانفجارات. وهذا النفي، رغم ظاهره الدفاعي، يكشف عن قدرة طهران على إدارة المعركة الإعلامية بذات الكفاءة التي تدير بها المعركة الميدانية، فهي تفصل بين ما تعتبره “إجراءً دفاعياً مشروعاً” في هرمز وبين أي حديث عن استهداف مناطق مدنية أو منشآت حيوية على أراضيها، وتفرض بذلك روايتها على مجريات الأحداث.
الرواية الثالثة جاءت من واشنطن، حيث نشر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب صورة تُظهر استهداف جزيرة خرج، التي تحتضن أكبر منشأة لتصدير النفط الإيراني، في خطوة بدت وكأنها رسالة سياسية أكثر منها إخبارية. لكن هذه الخطوة، التي أرادها ترامب استعراضاً للقوة، جاءت لتؤكد في العمق حقيقة معاكسة: فواشنطن لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالقوة كما في السابق، وتحولت إلى إطلاق صور وبيانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من فرض وقائع على الأرض. وجاء تصريح محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والممثل الشخصي للمرشد الأعلى فيه، ليجسد هذا المعنى بوضوح حين قال إن “الأمريكيين خسروا الانتخابات والحرب”، في إشارة إلى تراجع الموقف الأمريكي أمام إيران. ولم يكن هذا التصريح مجرد موقف شخصي، بل صدر من المسؤول الأول عن تنسيق السياسات الأمنية والخارجية والدفاعية للدولة الإيرانية، مما يمنحه صفة شبه رسمية تعكس توجهات القيادة في هذه المرحلة.
هذه الروايات الثلاث، وإن بدت متفرقة، إلا أنها تندرج في سياق أوسع من التصعيد المتبادل الذي يعيشه ملف العلاقات الإيرانية-الأمريكية، حيث تحول مضيق هرمز وجزيرة خرج إلى رمزين متقابلين: الأول بوابة الطاقة العالمية التي تفرض طهران سيطرتها الفعلية عليها وتحدد شروط المرور فيها، والثاني قلب الصادرات النفطية الإيرانية الذي يعد هدفاً استراتيجياً لأي مواجهة محتملة، لكنه في الوقت ذاته تحول إلى دليل على فشل الضغط الأقصى في كسر إرادة طهران.
وما يجري اليوم ليس مجرد حادث بحري عابر، بل حلقة في سلسلة طويلة من المواجهة التي تتخذ أشكالاً متغيرة: ألغام في الماء، صور على الشاشات، ونفي في البيانات. لكن خلف هذه الأشكال جميعاً، ثمّة حقيقة واحدة تفرض نفسها: إيران صمدت في وجه سنوات من العقوبات والتهديدات والضغوط، وخرجت منها بمعادلات جديدة فرضتها على الخصم. فمن يملك القدرة على تعطيل شريان الطاقة العالمي، ويفرض قواعد جديدة للملاحة في أحد أهم المضايق الدولية، ويرد على استعراضات القوة الأمريكية بنفي هادئ وتصريحات واثقة تصدر عن أعلى مسؤول أمني في البلاد، إنما يعلن بذلك أن موازين القوى في المنطقة لم تعد كما كانت، وأن واشنطن، رغم كل قوتها العسكرية، أصبحت تتعامل مع واقع جديد لا تستطيع تجاوزه أو تجاهله.
وتبقى التداعيات مفتوحة على احتمالات عدة: فتحذير حرس الثورة من الألغام يرفع مخاطر التأمين على السفن العابرة لهرمز ويدفع شركات الشحن الدولية إلى إعادة النظر في مساراتها؛ والجمود الدبلوماسي يجعل من الصعب فصل الملف النووي عن ملف الملاحة والأمن الإقليمي؛ والحرب الإعلامية بين نشر ترامب لصورة استهداف جزيرة خرج ونفي طهران للاستهداف في قشم تعكس اختباراً متبادلاً لردود الفعل وقياساً لمدى استعداد كل طرف للتصعيد. لكن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بمن يملك القوة، بل بمن يملك الإرادة والصمود لفرض شروطه على الأرض، وفي هذا الاختبار، يبدو أن طهران خرجت منه حتى الآن أكثر تماسكاً وأقدر على فرض معادلاتها مما كانت عليه قبل سنوات من المواجهة.
