هل الأمة نتيجة الوعي أم الوعي نتيجة الأمة؟ ردّ على «ماركس أم سعاده؟ من أين نبدأ بفهم التاريخ؟»
د.نبيلة عفيف غصن
قرأت باهتمام مقال الدكتور طنوس شلهوب، الذي جاء ردًا على مقالي «ماركس أم سعاده؟ من يملك مفتاح تفسير التاريخ؟». وأعتقد أن قيمة النقاش لا تكمن في أن ينتصر اسم على اسم، بل في أن نصل إلى السؤال الذي يقف خلف المقارنة كلها: ما الوحدة الاجتماعية التي تتحرك في التاريخ، وما الذي يفسّر الصراع حين يتجاوز حدود المجتمع الواحد إلى المجال الدولي؟
المقال المقابل يقدّم قراءة جدية للماركسية ولسعاده، وفيه نقاط تستحق النقاش، ولا سيما رفضه اختزال الأمة في العرق أو الدين أو النسب، وتشديده على أن الأمة ظاهرة تاريخية وليست حقيقة أزلية. لكن المفارقة أن هذه النقطة تحديدًا لا تفصل بين سعاده وماركس بالقدر الذي يريد المقال إظهاره؛ بل تقرّب النقاش من سعاده أكثر مما تبتعد عنه.
فالسؤال ليس: هل الأمة أزلية؟
لم يقل سعاده إن الأمة أزلية.
وليس السؤال: هل الأمة تتكون تاريخيًا؟
فهذا أيضًا لا يناقض سعاده.
وليس السؤال حتى: هل توجد داخل الأمة طبقات ومصالح متناقضة؟
وهذا لم ينكره سعاده أصلًا.
السؤال الحقيقي هو: بعد أن تتكون جماعة بشرية تاريخيًا واجتماعيًا، أي وحدة تصبح هي الإطار الفعلي الذي تتحرك داخله الطبقات والفئات والمصالح، وأي وحدة تتحول إلى فاعل في الصراع على الأرض والسيادة والموارد والقرار؟
هنا تحديدًا يبدأ الاختلاف الحقيقي.
أولًا: المقال يغيّر السؤال الأصلي
كان السؤال الذي طرحته في المقال الأول متعلقًا بمفتاح تفسير التاريخ والصراع: هل يكفي الصراع الطبقي لتفسير الحركة التاريخية، أم أن الصراع بين الأمم والقوى المنظمة في وحدات قومية يمثل مستوى لا يمكن اختزاله في الصراع الطبقي؟
أما المقال الرديف فيحوّل السؤال إلى: كيف تتكون الأمة؟
وهذا سؤال مشروع ومهم، لكنه ليس السؤال نفسه.
أن نسأل كيف نشأت الأمة شيء، وأن نسأل كيف تتحرك الأمة بعد تشكلها كقوة اجتماعية وتاريخية شيء آخر.
فالإنسان يتعلم اللغة تاريخيًا، لكن ذلك لا يعني أن اللغة تصبح غير حقيقية بعد أن تتكون. والدولة تتشكل تاريخيًا، لكنها بعد نشوئها تصبح قوة مادية تؤثر في الاقتصاد والمجتمع والحياة اليومية. والمؤسسات نفسها نتاج تاريخي، لكنها بعد نشوئها لا تعود مجرد نتائج سلبية للماضي، بل تتحول إلى قوى فاعلة فيه.
وهذا بالضبط ما يقوله المنهج الجدلي الذي يستند إليه المقال في الدفاع عن ماركس: ما ينتج تاريخيًا يمكن أن يتحول لاحقًا إلى عامل فاعل في إنتاج التاريخ.
فلماذا لا ينطبق هذا المبدأ على الأمة؟
إذا كانت الأمة نتاجًا تاريخيًا، فهذا لا يجعلها أقل واقعية، بل يعني أنها تاريخية التكوين وقوية التأثير.
وهنا يقع التناقض المركزي في المقال.
ثانيًا: المادية التاريخية لا تساوي الصراع الطبقي
من أهم النقاط التي تحتاج إلى تدقيق أن المقال ينتقل أحيانًا من «المنهج المادي» إلى «الصراع الطبقي» وكأنهما شيء واحد.
ليس الأمر كذلك.
المادة أوسع من الطبقة.
والعلاقات الاجتماعية أوسع من علاقات الإنتاج.
والتاريخ أوسع من الاقتصاد.
حتى في القراءة الماركسية نفسها، لا يمكن تفسير الدولة والاستعمار والحرب والقومية والإمبريالية بمجرد وضع جدول بين مالك وسائل الإنتاج والعامل.
والسؤال الذي طرحه مقالي لم يكن إنكار الاقتصاد أو الطبقات، بل الاعتراض على تحويل الصراع الطبقي إلى مفتاح شامل لتفسير التاريخ.
لأن هناك سؤالًا لا تستطيع الطبقة وحدها الإجابة عنه:
لماذا تتحول الطبقات في لحظة الحرب إلى جزء من صراع بين دول وأمم؟
لماذا يقاتل العامل الفرنسي العامل الألماني في حرب دولية؟
ولماذا يتعرض العامل في دولة ما للعقوبات والحصار إلى جانب الرأسمالي وصاحب المؤسسة؟
ولماذا تخوض الدول حربًا على أشباه الموصلات والتكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد؟
هل يمكن تفسير كل ذلك باعتباره صراعًا بين الطبقات داخل المجتمع الواحد؟
بالطبع لا.
قد يدخل العامل والرأسمالي والدولة والنخبة الاقتصادية في علاقات صراع داخلي، لكن عندما ينتقل الصراع إلى مستوى آخر يصبح لدينا فاعل تاريخي آخر: المجتمع المنظم سياسيًا، أو الأمة، أو الدولة التي تعبّر عن مصالح استراتيجية مرتبطة بمجتمعها.
وهنا تظهر قيمة سعاده.
ثالثًا: سعاده لم يقل إن الأمة أزلية
المقال يبني جزءًا من اعتراضه على أن الأمة، وفق المنهج السعادي، تبدو وكأنها حقيقة مكتملة تسبق التاريخ.
وهذا ليس دقيقًا.
سعاده لم يبنِ الأمة على العرق أو السلالة أو الدين. بل جعلها نتيجة تفاعل الإنسان مع البيئة ومع التاريخ ومع المجتمع.
وهذا يعني أن الأمة عنده ليست «جوهرًا ميتافيزيقيًا» نازلًا من السماء، وإنما تشكّل اجتماعي تاريخي.
لكن هنا ينبغي الانتباه إلى نقطة أساسية:
كون الأمة تشكلت تاريخيًا لا يعني أنها مجرد «اختراع سياسي».
فاللغة تشكلت تاريخيًا، ولكنها ليست اختراعًا فرديًا.
والثقافة تشكلت تاريخيًا، لكنها ليست وهمًا.
والاقتصاد الوطني تشكل تاريخيًا، لكنه ليس مجرد فكرة في رؤوس الناس.
وكذلك الأمة.
إنها نتيجة تراكم طويل من التفاعل الاجتماعي، ثم تصبح بعد تبلورها قوة فاعلة في التاريخ.
ولهذا فإن السؤال: «هل اكتشف سعاده الأمة أم أنتج الوعي بها؟» ليس ثنائية حادة كما يبدو.
قد يكون سعاده قد اكتشف عناصر وحدة تاريخية واجتماعية موجودة بالفعل، ثم صاغ لها وعيًا سياسيًا وقوميًا جديدًا.
وهذا هو بالضبط دور الفكر في التاريخ.
فالمفكر لا يخلق المادة من العدم، لكنه قد يكتشف اتجاهاتها، وينظم عناصرها، ويمنحها مفهومًا ووعيًا ومشروعًا.
لم يخترع ماركس الطبقة العاملة.
لكنه اكتشف موقعها التاريخي وصاغ لها نظرية ووعيًا.
وبالمثل، لا يصح القول إن سعاده «اخترع» المجتمع الذي تحدث عنه لمجرد أنه أعاد تعريفه وصاغ له نظرية قومية اجتماعية.
رابعًا: الأمة ليست الدولة
وهنا أعتقد أن جزءًا مهمًا من الالتباس في المقال ناتج عن الخلط بين الأمة والوعي القومي والدولة.
قد توجد أمة من دون دولة.
وقد توجد دولة تضم جماعات متعددة.
وقد يكون الوعي القومي ضعيفًا أو منقسمًا رغم وجود مقومات اجتماعية وتاريخية واسعة.
لذلك فإن السؤال: «أين الدولة التي تثبت وجود الأمة؟» لا يحسم القضية.
الأمة ليست مرادفًا للدولة.
ولو كانت الدولة شرطًا سابقًا لوجود الأمة، لكان علينا أن ننكر وجود أمم لم تكن قد أقامت دولتها بعد.
بل إن التاريخ الحديث نفسه يقدم أمثلة كثيرة على حركات قومية نشأت قبل قيام دولها، وعلى أمم كانت مجزأة سياسيًا ثم سعت إلى توحيد كياناتها.
إذن، غياب الدولة الواحدة لا يساوي غياب الوحدة الاجتماعية التاريخية.
وهذه نقطة أساسية في فهم مشروع سعاده.
خامسًا: «سورية الطبيعية» ليست مجرد خريطة
يطرح المقال مسألة «سورية الطبيعية» وكأن سعاده جمع مجموعة من العناصر الجغرافية ثم قال: هذه أمة.
لكن هذه قراءة تختزل مشروعه.
لم تكن حجته قائمة على القرب الجغرافي وحده.
فهو تحدث عن وحدة جغرافية وزراعية واقتصادية واستراتيجية واجتماعية، أي عن شبكة من العلاقات التي تجعل المجال وحدة مترابطة في حياة الإنسان.
وهنا يصبح الاعتراض الجغرافي على قبرص غير كافٍ لإسقاط النظرية.
يمكن مناقشة إدراج قبرص تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا، وهذا حق مشروع تمامًا.
لكن القول إن وجود انقسام قومي معاصر في قبرص يهدم مفهوم الوحدة الجغرافية والاجتماعية لا يكفي منهجيًا.
فالجغرافيا لا تعني وحدها الهوية.
لكنها أيضًا ليست بلا قيمة.
وكذلك الاقتصاد ليس وحده الأمة، لكنه عنصر في تكوينها.
واللغة ليست وحدها الأمة، لكنها عنصر فيها.
والوعي ليس وحده الأمة، لكنه يصبح قوة هائلة عندما يتبلور.
المسألة إذن ليست البحث عن عنصر واحد، بل فهم تركيب العناصر وتفاعلها تاريخيًا.
وهذا قريب جدًا من المنهج الذي يقول المقال نفسه إنه يدافع عنه.
سادسًا: ماذا تثبت مسألة قبرص فعلًا؟
يقدم المقال قبرص بوصفها «اختبارًا منهجيًا» لسعاده.
لكنها في الحقيقة اختبار لمنهج تعريف الأمة عمومًا، وليس لسعاده وحده.
فقبرص نفسها تكشف أن الهويات ليست بسيطة، وأن الجغرافيا لا تكفي وحدها، وأن التاريخ يمكن أن ينتج هويات متداخلة.
لكن هذا لا يثبت أن المجال الجغرافي والاجتماعي لا يمكن أن يكون أساسًا لوحدة قومية.
بل يثبت أن القومية ظاهرة تاريخية مركبة.
وهذا بالضبط ما يجعل إدراج قبرص مسألة قابلة للنقاش التاريخي والسياسي، وليس ضربة قاضية لنظرية سعاده.
يمكن أن نختلف مع سعاده في حدود الأمة السورية.
لكن الاختلاف في الحدود لا يثبت أن مبدأ الأمة نفسه وهم.
وإلا لوجب علينا أن نطبق المعيار نفسه على كل أمة في العالم، لأن حدود كل الأمم تقريبًا نتاج تاريخ وصراعات وحروب وهجرات وتحولات سياسية.
سابعًا: ماذا عن الأمة العربية؟
هنا أيضًا أعتقد أن المقال يحتاج إلى التمييز بين أمرين:
وجود روابط عربية واسعة، ووجود أمة عربية سياسية مكتملة.
لا خلاف في وجود اللغة العربية، والتاريخ المتداخل، والثقافة المشتركة، والتجارب الاستعمارية، والتواصل البشري والاقتصادي الواسع بين أجزاء العالم العربي.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل توجد روابط عربية؟
بل:
ما طبيعة الوحدة الاجتماعية التي أنتجتها هذه الروابط؟
وهنا لا يكفي تعداد العناصر.
فالمطلوب هو دراسة البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تكونت بالفعل.
وسعادَة لم ينكر وجود هذه الروابط، لكنه اختلف في تحديد طبيعتها القومية والسياسية.
وهذا هو جوهر المسألة.
فإذا كانت الأمة تُعرَّف فقط باتساع اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، يصبح علينا تفسير لماذا لا تتحول كل الجماعات التي تشترك في لغة وثقافة إلى أمة سياسية واحدة.
أما إذا قلنا إن الأمة تتحدد بتفاعل تاريخي واجتماعي وبيئي واقتصادي يؤدي إلى تكوين وحدة معينة، فإن النقاش يصبح أكثر عمقًا، وهنا تعود نظرية سعاده إلى الواجهة.
ثامنًا: «مصلحة من؟» سؤال صحيح… لكنه لا يهدم الأمة
يسأل المقال سؤالًا مهمًا:
المصلحة القومية، مصلحة من؟
والجواب: هذا سؤال مشروع تمامًا.
لكن وجود مصالح طبقية داخل الأمة لا يلغي وجود مصالح مشتركة لها.
فالإنسان يمكن أن يكون عاملًا وأن يكون في الوقت نفسه مواطنًا.
ويمكن أن يكون له مصلحة طبقية ومصلحة اجتماعية ومصلحة قومية.
هذه المستويات لا تلغي بعضها.
المشكلة تبدأ عندما نقرر مسبقًا أن أحدها يجب أن يفسر كل شيء.
قد تكون هناك طبقة ثرية مستفيدة من علاقة تبعية خارجية، بينما تكون مصلحة المجتمع الأوسع في التحرر منها.
وقد توجد طبقات مختلفة المصالح اقتصاديًا، لكنها تشترك في الدفاع عن الأرض والسيادة.
وفي المقابل، قد تستغل سلطة ما الخطاب القومي لقمع فئات اجتماعية.
إذن المطلوب ليس إلغاء الطبقة لصالح الأمة، ولا إلغاء الأمة لصالح الطبقة.
المطلوب هو فهم العلاقة الجدلية بينهما.
وهذا تحديدًا ما كنت أطرحه: الصراع الطبقي حقيقي، لكنه لا يفسر وحده الصراع بين الوحدات التاريخية الكبرى.
تاسعًا: السؤال الحاسم للماركسية
هنا أعود إلى الماركسيين أنفسهم، لا إلى خصومهم.
إذا كان التاريخ لا يتحرك إلا من خلال علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فكيف نفسر استمرار الدولة القومية كأقوى وحدة سياسية في العالم الحديث؟
كيف نفسر الحروب العالمية؟
كيف نفسر الاستعمار والتحرر الوطني؟
كيف نفسر العقوبات الاقتصادية التي تستهدف دولًا ومجتمعات كاملة؟
كيف نفسر الصراع على الحدود والموانئ والممرات والطاقة والمياه والتكنولوجيا؟
كيف نفسر أن العامل نفسه قد يرى في أمن دولته ومجتمعه مسألة وجودية؟
وكيف نفسر أن دولًا ذات أنظمة اقتصادية متباينة يمكن أن تتصارع استراتيجيًا، بينما قد تتعاون طبقات اقتصادية متشابهة عابرة للحدود؟
هنا تظهر حدود التفسير الطبقي إذا تحول إلى تفسير وحيد.
عاشرًا: أين يتفوق سعاده في السؤال المطروح؟
قوة سعاده ليست في أنه قدّم «مفتاحًا سحريًا» بدل مفتاح ماركس.
قوته أنه غيّر مستوى السؤال.
بدل أن يبدأ من الطبقة بوصفها الوحدة الأساسية للصراع، بدأ من المجتمع ككل تاريخي، ومن علاقته بالأرض والبيئة والتاريخ، ثم بحث في الدولة والسيادة والمصالح والعلاقات الاجتماعية.
وهذا يسمح له بأن يرى شيئًا لا يستطيع التفسير الطبقي وحده رؤيته:
أن المجتمع قد يكون منقسمًا داخليًا، لكنه في الوقت نفسه واقعًا في مواجهة قوة خارجية.
وأن التناقض الداخلي لا يلغي التناقض الخارجي.
وأن الأمة ليست إنكارًا للطبقات، كما أن الطبقات ليست نفيًا للأمة.
بل إن الصراع الطبقي نفسه لا يمكن فهمه خارج المجتمع التاريخي الذي يحدث داخله.
وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية:
الطبقة لا توجد بلا مجتمع، والمجتمع لا يوجد في فراغ، والمجتمع التاريخي يعيش على أرض، ويتفاعل مع مجتمعات أخرى، ويدخل معها في علاقات تعاون وصراع.
إذن، لماذا نجعل الطبقة نقطة النهاية، بينما يمكن أن تكون الأمة مستوى أوسع من التنظيم الاجتماعي للصراع؟
الخلاصة: لا نحتاج إلى إسقاط ماركس لكي نفهم سعاده
لست بحاجة إلى إسقاط ماركس لكي أدافع عن سعاده.
ماركس قدّم أدوات ثمينة لفهم الاستغلال والملكية وعلاقات الإنتاج والتفاوت الطبقي.
لكن تحويل هذه الأدوات إلى تفسير شامل للتاريخ هو الذي يحتاج إلى مراجعة.
وبالمثل، لا ينبغي تحويل سعاده إلى صاحب نظرية تنكر الصراع الاجتماعي. فهذا أيضًا غير صحيح.
إن القضية أعمق من ذلك.
ماركس يساعدنا على فهم ما يحدث داخل المجتمع. وسعاده يضيف سؤالًا عن المجتمع نفسه: ما الذي يجعله وحدة تاريخية؟ وكيف يصبح قادرًا على أن يكون فاعلًا في التاريخ؟
وهنا يصبح عنوان المسألة أكثر دقة:
ليس السؤال: ماركس أم سعاده؟
بل:
هل يستطيع الصراع الطبقي وحده أن يفسر صراع الأمم؟
وهذا السؤال لم يُجب عنه المقال الرديف.
بل إنه انتقل إلى سؤال آخر: كيف تتكون الأمة؟
والجواب السعادي عن هذا السؤال ليس أن الأمة كيان أزلي، ولا أنها هبة عرقية، ولا أنها مجرد حدود مرسومة على الخريطة.
إنها حقيقة اجتماعية تاريخية تتكون من تفاعل الإنسان والبيئة والمجتمع والتاريخ، ثم تتحول إلى قوة فاعلة في التاريخ.
وهنا تكمن النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل:
أن تكون الأمة نتاجًا للتاريخ لا يعني أنها أقل من التاريخ؛ بل يعني أنها واحدة من القوى التي يصنع بها التاريخ نفسه.
فكما أن الطبقة التي نشأت من علاقات الإنتاج أصبحت قوة تاريخية، فإن الأمة التي نشأت من تفاعل اجتماعي تاريخي تصبح هي أيضًا قوة تاريخية.
والفرق الجوهري أن الطبقة تعبّر عن موقع اجتماعي داخل المجتمع، بينما الأمة تمثل إطارًا اجتماعيًا تاريخيًا أوسع تتفاعل داخله الطبقات والمصالح والمؤسسات والثقافات والدولة.
لهذا لا أرى أن الاختيار هو بين «المادة» و«الأمة»، ولا بين «ماركس» و«سعاده».
الاختيار الحقيقي هو بين تفسير أحادي للتاريخ وتفسير متعدد المستويات.
التاريخ ليس طبقات فقط.
وليس أممًا فقط.
لكن عندما ينتقل الصراع من داخل المجتمع إلى الصراع على الأرض والسيادة والموارد والحدود والقرار والموقع الاستراتيجي، فإن محاولة تفسيره كله بالصراع الطبقي تصبح عاجزة عن رؤية نصف المشهد.
وهنا بالضبط تستعيد نظرية سعاده قوتها.
فالأمم لا تولد من الوعي وحده، كما لا تولد من الجغرافيا وحدها، ولا من الاقتصاد وحده.
إنها تتكون في الحياة الاجتماعية التاريخية، ثم تصنع بدورها وعيًا ومؤسسات ومصالح وصراعات.
وقد يكون دور المفكر الحقيقي ليس أن «يخترع» الأمة، بل أن يرى ما لم يره الآخرون، وأن يحوّل العناصر المتناثرة إلى وعي بالنحن، وإلى مشروع تاريخي.
وهنا كان سعاده أكثر من مجرد منظّر للقومية.
لقد كان صاحب سؤال عن الإنسان والمجتمع والتاريخ والسيادة معًا.
والتحدي الحقيقي للماركسي، في رأيي، ليس أن يرفض سعاده قبل قراءته، بل أن يجيب عن سؤال بسيط وصعب في آن:
إذا كانت الطبقات هي وحدات الصراع الأساسية في التاريخ، فلماذا ظل التاريخ الحديث، حتى بعد أضخم الثورات الاجتماعية، يُعاد تشكيله عبر أمم ودول ومجتمعات تتصارع على الأرض والسيادة والموارد والقرار؟
وإذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال، فإننا لم نفهم التاريخ كله بعد.
لقد فهمنا جزءًا منه.
أما سعاده، فكان يحاول أن يرى الكل.
د. نبيلة عفيف غصن
مقال الدكنور طنوس شلهوب “ماركس أم سعاده؟ من أين نبدأ بفهم التاريخ؟” على الرابط التالي:
مقالي الذي رد عليه الدكتور شلهوب “ماركس أم سعاده؟ من يملك مفتاح تفسير التاريخ؟الصراع الطبقي في مواجهة الصراع بين الأمم” على الرابط التالي:
