فرنسا تشتعل، والتوتر الاجتماعي والسياسي يتصاعد في أكثر من عاصمة غربية، فيما تتكرر في الولايات المتحدة مواقف سياسية حادة تجاه الإسلام والمسلمين. لكن الوقوف عند تصريحات ترامب أو عند اضطرابات الشارع الفرنسي وحدها يعني قراءة المشهد من سطحه.
إنها أزمة منظومة كاملة: منظومة بنت قوتها على مدى قرن، ثم حاولت أن تجعل نموذجها السياسي والاقتصادي والثقافي معيارًا للعالم كله.
منذ الحرب العالمية الأولى، ثم بصورة أكثر اتساعًا بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت القوى الاستعمارية تدريجيًا من احتلال الأرض مباشرة إلى أشكال أكثر تعقيدًا من السيطرة. لم يعد الاستعمار يحتاج دائمًا إلى رفع علمه فوق أراضي الآخرين.
يكفي أن يملك القدرة على التأثير في القرار السياسي، أو التحكم بالموارد، أو فرض العقوبات، أو التحكم بالتكنولوجيا، أو إدارة الأسواق، أو التأثير في الإعلام، أو استثمار الانقسامات الداخلية.
تغيرت أدوات الاستعمار، لكن جوهر الصراع على القوة والمصلحة والسيادة لم يتغير.
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات العصر الحديث.
الليبرالية التي رفعت راية الحرية الفردية والمساواة أمام القانون تحولت، حين اقترنت بالرأسمالية المتوحشة ومنطق القوة الإمبراطورية، إلى منظومة تستطيع أن تدافع عن حقوق الإنسان في خطابها، بينما تتجاوز هذه الحقوق عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
فالحرية تصبح انتقائية، والديمقراطية تصبح أحيانًا أداة ضغط، وحقوق الإنسان تتحول إلى معيار يُستخدم هنا ويُهمَل هناك.
ولا يعني ذلك رفض الحرية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان. على العكس، إن قيمة هذه المبادئ تكمن في عالميتها. لكن قيمتها تسقط عندما تصبح امتيازًا للأقوياء وأداةً لإخضاع الضعفاء.
وهنا يأتي السؤال: ماذا فعلت هذه المنظومة بشعوب العالم؟
فلسطين تقدم المثال الأكثر وضوحًا.
قضية فلسطين ليست مجرد نزاع على حدود. إنها قضية شعب حُرم طويلًا من حقوقه، فيما ظل الدعم السياسي والعسكري الغربي للكيان الصهيوني عنصرًا أساسيًا في اختلال ميزان القوى.
والأخطر أن القضية الفلسطينية جرى اختزالها في كثير من الأحيان إلى ملف أمني أو إنساني، بينما جوهرها هو الأرض والإنسان والسيادة والحق في تقرير المصير.
ثم يأتي العراق.
بلد ذو موقع استراتيجي وثروة نفطية هائلة، تعرض لعقوبات مدمرة ثم لغزو عام 2003، أعقبه تفكيك مؤسسات الدولة وتصاعد الانقسامات والعنف والتدخلات الخارجية.
لم يكن العراق مجرد ساحة حرب. كان، وما زال، عقدة جغرافية تقع عند تقاطع الخليج وبلاد الشام وإيران وتركيا، بما يعنيه ذلك من أهمية للطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وفي سوريا الشام، تحولت الدولة إلى ساحة صراع دولي وإقليمي بالغ التعقيد. تدخلات عسكرية، جماعات مسلحة، عقوبات وضغوط اقتصادية، وصراع على النفوذ والممرات والحدود والموقع الاستراتيجي.
فسوريا الشام ليست مجرد دولة في قلب الأزمة؛ إنها عقدة جغرافية تصل العراق بلبنان وفلسطين وشرق المتوسط.
ولهذا فإن السيطرة على موقعها أو التأثير في قرارها يتجاوز حدودها الوطنية إلى رسم جزء من خريطة المشرق.
أما لبنان، فقد كشف وجهًا آخر من المشكلة: عندما يصبح المجتمع نفسه منقسمًا إلى جماعات تستدعي الخارج لحماية مصالحها، تصبح السيادة هشّة، ويصبح التدخل الخارجي أكثر سهولة.
وهنا لا تعود المشكلة خارجية فقط.
فالاستعمار يجد أقوى أدواته عندما يجد مجتمعًا مفككًا.
ولهذا فإن وحدة المجتمع ليست قضية اجتماعية فحسب، بل قضية سيادية واستراتيجية.
أما ليبيا، فقد قدمت درسًا آخر: يمكن أن يسقط النظام من دون أن تُبنى الدولة.
التدخل العسكري الذي أدى إلى سقوط القذافي لم ينتج دولة مستقرة، بل أعقبه انقسام سياسي وعسكري طويل، فيما بقي النفط والموقع الجغرافي عاملين أساسيين في اهتمام القوى الخارجية.
والدرس واضح:
تدمير سلطة الدولة أسهل بكثير من بناء دولة جديدة.
وفي اليمن، تتضح أهمية الجغرافيا بأشد صورها.
فاليمن يشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن الحرب فيه لا تتعلق باليمن وحده، بل بأمن البحر الأحمر والتجارة العالمية والطاقة والموانئ وخطوط الملاحة بين آسيا وأوروبا.
وهكذا تبدو المنطقة بأكملها وكأنها تقع فوق شبكة هائلة من المصالح الاستراتيجية: الطاقة، الموانئ، الممرات البرية والبحرية، الأسواق، الموقع الجغرافي، والقدرة على الوصول إلى البحار.
وهنا يصبح  من السذاجة تجاهل المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
الدول الكبرى لا تتحرك في السياسة الدولية بدافع الأخلاق وحدها؛ تتحرك وفق مصالحها وقوتها وموقعها في ميزان القوى.
وهذا ما يجعل غياب المشروع المستقل لدى شعوب المنطقة أكثر خطورة.
فالاستعمار الحديث لا يحتاج دائمًا إلى احتلال مباشر.
قد يكفي أن تبقى الدول ضعيفة، واقتصاداتها ريعية، ومجتمعاتها منقسمة، وأن تعتمد في أمنها وغذائها وتكنولوجيتها على الخارج.
عندها تصبح السيادة شكلًا بلا مضمون.
ومن هنا نصل إلى فرنسا.
ما يحدث في فرنسا ليس مجرد أزمة مهاجرين أو أزمة أمن أو أزمة إسلام. إنه جزء من أزمة أعمق في المجتمعات الغربية نفسها: تدهور اقتصادي، تراجع للثقة بالمؤسسات، أزمات هوية، احتقان اجتماعي، وصراع حول معنى الدولة والمواطنة.
والخطير أن تتحول هذه الأزمات إلى البحث عن «عدو داخلي» يحمل مسؤولية كل شيء.
وهنا يدخل المسلمون في دائرة الاستهداف السياسي والإعلامي.
لكن تحويل الإسلام إلى شماعة للأزمات لن يحل أزمة فرنسا، كما أن تحميل الشعوب الغربية مسؤولية سياسات حكوماتها ليس حلًا أيضًا.
المشكلة ليست بين الشعوب. المشكلة في منظومات القوة التي تجعل شعبًا أقوى من شعب، ودولة قادرة على فرض إرادتها على دول أخرى.
ومن هنا يصبح السؤال عن الحكام المسلمين أكثر إلحاحًا.
أين هم من هذه التحولات؟
أين الاستراتيجية المشتركة؟
أين القدرة على حماية الموارد؟
أين التعاون الاقتصادي والتكنولوجي؟
أين الأمن الغذائي؟
أين صناعة المعرفة؟
أين الإعلام القادر على إنتاج الرواية بدل الاكتفاء بالرد عليها؟
وأين القدرة على تحويل الموقع الجغرافي والثقل السكاني والثروات الطبيعية إلى قوة سياسية مستقلة؟
لا يكفي أن تجتمع الحكومات بعد كل أزمة وتصدر بيانًا.
ولا يكفي أن تعلن رفضها لتصريح هنا أو موقف هناك.
القوة لا تُبنى بالبيانات. القوة تُبنى بالإنسان، وبالمجتمع، وبالدولة، وبالاقتصاد، وبالعلم، وبالإرادة السياسية.
وهنا تكمن القضية الأعمق.
الشعب القوي ليس مجرد عدد من السكان، بل مجتمع تربطه مصلحة مشتركة وشعور بالمسؤولية تجاه مستقبله.
والدولة القوية ليست دولة أمنية تقمع شعبها، بل دولة تمتلك مؤسسات فاعلة، وتضمن العدالة، وتحمي المواطن، وتستثمر في المعرفة والإنتاج.
والاستقلال الحقيقي ليس مجرد رفع العلم الوطني، بل امتلاك القدرة على اتخاذ القرار.
لهذا فإن مقاومة الاستعمار الحديث لا تبدأ من الخارج فقط.
تبدأ من الداخل.
من تحرير الإنسان من الجهل.
من تحرير المجتمع من الطائفية والعصبيات الضيقة.
من تحويل الاقتصاد من الاستهلاك إلى الإنتاج.
من بناء العلم والتكنولوجيا.
من حماية الموارد.
ومن إقامة دولة يكون فيها المواطن مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، لا تابعًا لطائفة أو زعيم أو قوة خارجية.
عندها فقط يصبح العالم الإسلامي قادرًا على التعامل مع الغرب من موقع الندية.
ليس المطلوب حربًا على الغرب.
وليس المطلوب رفض الحضارة الغربية أو الانغلاق أمامها.
المطلوب أن تتوقف العلاقة عن كونها علاقة تابع ومتبوع.
أن تتعامل الأمم مع بعضها وفق المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة.
فالعالم لا يحترم الضعف، حتى لو تعاطف معه.
والتحولات الجارية اليوم تشير إلى أن النظام الدولي نفسه يتغير. قوى جديدة تصعد، ومراكز القوة تتعدد، والصراع على التكنولوجيا والطاقة والممرات والأسواق يتصاعد.
وفي خضم هذا التحول، يبقى السؤال المصيري:
هل تبقى فلسطين والعراق وسوريا الشام ولبنان وليبيا واليمن وغيرها من ساحات العالم الإسلامي ميادين للصراع على مصالح الآخرين؟
أم تتحول شعوب هذه المنطقة إلى قوة تاريخية قادرة على حماية أرضها وثرواتها وقرارها؟
هنا لا تعود المسألة مسألة ترامب وحده.
ولا مسألة فرنسا وحدها.
إنها مسألة نهضة مجتمع بأكمله.
لأن من لا يملك مشروعه، يصبح جزءًا من مشروع غيره.
ومن لا يحمي موارده، سيجد الآخرين يتنافسون عليها.
ومن لا يمتلك قراره، سيأتي من يقرر عنه.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع شعب غربي، ولا مع دين، ولا مع حضارة.
إنها معركة الإنسان ضد التبعية، والمجتمع ضد التفكك، والسيادة ضد الهيمنة، والعدالة ضد الاستغلال.
ومن هنا يبدأ الطريق إلى عالم أكثر توازنًا:
إنسان حرّ ومسؤول، مجتمع متماسك، دولة سيدة، واقتصاد منتج، وأمم تعرف مصالحها وتملك القدرة على الدفاع عنها.
عندها فقط لن يكون السؤال:
أين الحكام المسلمون؟
بل سيصبح السؤال الذي يفرض نفسه على العالم كله:
أين موقع هذه الشعوب في صناعة النظام الدولي الجديد؟
د. نبيلة عفيف غصن