كلما ذُكر السابع من أكتوبر، خرج من يسأل وكأنه اكتشف الحقيقة بعد وقوعها: ماذا فعلتم بالمشروع الوطني؟ وكأن المشروع كان في كامل عافيته صباح السادس من أكتوبر، ثم جاء اليوم التالي فأطاح به دفعة واحدة. المفارقة أن من يصرخ اليوم لم يسأل أمس، حين كان المسار المظلم يُرسم بهدوء.
المشاريع الوطنية لا تنهار في صباح واحد، كما أن الانفجارات الكبرى لا تبدأ لحظة سماع دويّها. المشروع الوطني دخل، قبل ذلك بسنوات، في مسار مظلم بدأ مع أوسلو. ثم تحولت السلطة، مع مرور الوقت، من محطة يُفترض أن تكون طريقاً إلى الدولة إلى واقع سياسي وأمني وإداري يعيش تحت شروط الاحتلال.
انتقلنا تدريجياً من سؤال التحرير إلى تفاصيل الإدارة، ومن حلم الدولة إلى سلطة لا تملك السيادة الكاملة، بينما بقي الاحتلال ممسكاً بمفاتيح الأرض والحدود والحركة. وظل السؤال معلّقاً: هل كانت السلطة جسراً إلى الدولة، أم أصبح الجسر هو الغاية؟
كان لدينا وطن بلا دولة، وسلطة بلا سيادة، وانقسام طال أكثر مما ينبغي، واحتلال حاضر في تفاصيل الحياة. وكان على الفلسطيني، رغم ذلك كله، أن يواصل الانتظار؛ انتظار الدولة، وانتظار المصالحة، وانتظار الحل. حتى أصبح الانتظار نفسه جزءاً من المشهد الفلسطيني.
أما غزة، فلم تكن تنتظر من خلف نافذة. كانت تعيش الحصار يوماً بيوم؛ في المعابر، والكهرباء، والماء، والبحر المغلق، وفي أجيال ولدت وكبرت وهي لا ترى أمامها أفقاً سياسياً حقيقياً. لذلك فإن اختزال الحكاية كلها في السابع من أكتوبر يشبه النظر إلى لحظة الانفجار وتجاهل ما سبقها. فالانفجار لا يصنع وحده المادة التي انفجرت.
كانت هناك سنوات من الحصار والانقسام وانسداد الأفق، ثم جاءت لحظة 7 أكتوبر، فانفجرت غزة في وجه السجّان. هنا تعود إلى الذاكرة العبارة: «احذروا هذا الشعب المحاصر من لحظة الانفجار العظيم.»
خلف السياسة والشعارات، كان هناك دائماً إنسان يدفع الثمن. في غزة، عائلات فقدت أبناءها وبيوتها وأمانها. وفي الضفة، عاش الفلسطيني تحت ثقل القيود والمداهمات والاستيطان والقلق اليومي. وفي الشتات، ظلت المأساة مفتوحة منذ النكبة.
هناك فلسطينيون ولدوا بعيداً عن البيوت التي خرج منها أجدادهم، وكبروا وهم يعرفون أسماء القرى والمدن أكثر مما يعرفون طرقها. مفاتيح قديمة بقيت في الأدراج، وصور بهتت ألوانها، وحكايات تناقلتها الجدات والأمهات والآباء، حتى أصبحت الذاكرة في بعض البيوت هي المكان الوحيد الذي لم يستطع أحد أن يغلق بابه.
لاجئ يحمل وطنه في ذاكرته، بينما يولد أبناؤه وأحفاده في أماكن أخرى. بعضهم أمضى عمره ينتظر العودة، وبعضهم رحل قبل أن يرى فلسطين، وبعضهم لم يكن يملك منها سوى اسم قرية يردده كما لو أنه يردد عنوان بيته. وهكذا لم تعد فلسطين بالنسبة إلى ملايين الفلسطينيين جغرافيا فحسب؛ أصبحت ذاكرة تُورَّث.
لا يمكن اختزال المأساة الفلسطينية في 7 أكتوبر، ولا يمكن تحويل دم المدنيين إلى تفصيل في رواية سياسية. فقتل المدنيين لا يصبح مقبولاً بسبب أي قضية، كما أن معاناة الفلسطينيين لا تبدأ في ذلك اليوم ولا تنتهي عنده.
الانقسام، والصراع على السلطة، وغياب المشروع الوطني الجامع، كلها تركت أثرها في المشهد الفلسطيني، بينما بقي الاحتلال حاضراً فوق الجميع. وفجأة أصبح السؤال: لماذا انفجرت غزة؟.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً كان ينبغي أن يُطرح قبل ذلك بكثير: كيف يمكن أن يبقى شعب محاصراً بلا أفق، ثم نطلب منه أن يعيش إلى الأبد وكأن شيئاً لا يحدث؟
تبقى أسئلة أخرى، أكثر قسوة، لا يجوز أن تُدفن تحت ركام السياسة. لماذا اغتيل أو أُقصي من المشهد الوطني أصحاب كلمة وموقف، بدل أن تُصان أصواتهم ودورهم؟ لماذا هاجرت الكفاءات الفلسطينية إلى المنافي البعيدة، ولماذا لم تجد في مؤسساتنا الوطنية المكان الذي تستحقه؟
ولماذا تحولت مواقع القرار، في مراحل مختلفة، إلى موضع انتقاد بسبب المحسوبية والفساد وضعف الكفاءة، بدل أن تكون معياراً للنزاهة والخبرة والمسؤولية؟ وهل خسر المشروع الوطني جزءاً من قوته، لأن القضية تحولت من مشروع تحرر وطني إلى صراع طويل على المواقع والنفوذ؟
ولهذا فإن السؤال ليس: من دمر المشروع الوطني في 7 أكتوبر؟ بل: كيف وصل المشروع الوطني أصلاً إلى هذه الحالة.
في غزة والضفة الغربية ومخيمات اللجوء في الشتات، بقي الفلسطيني يحمل ما لم تستطع السنوات انتزاعه منه: وطناً في الذاكرة، وحقاً في القلب، وحكايةً تنتقل من جيل إلى جيل. ولعل أكثر ما يؤلم أن السؤال الذي حمله الجد إلى ابنه، حمله الابن إلى حفيده: متى نعود؟
ثلاثة أجيال، وربما أكثر، والسؤال نفسه ما زال معلقاً في الذاكرة، بلا جواب. لاجئ مات بعيداً عن بيته، وطفل وُلد بعيداً عن أرضه، وحفيدٌ يعرف اسم القرية التي لم يَرَهَا.
هنا تختصر الحكاية كلها: فلسطين ليست فقط أرضاً احتُلّت، بل وطنٌ بقي حيّاً في ذاكرة شعبٍ حمله معه، جيلاً بعد جيل. وتلك هي المأساة التي سبقت 7 أكتوبر، وتلك هي المأساة التي لم تنتهِ بعد.
المصدر: الشاهد
