حكايات عن السجن والحرب
الحلقة 15: محاكم الـ V.C
كميل أبو حنيش/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
ألغت مصلحة السجون “الإسرائيلية” نظامَ الحضور الوجاهي للأسرى الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر، واستعاضت عنه بنظام الفيديو كونفرنس (V.C).
فقد دأبت مصلحة السجون “الإسرائيلية” طوال العقود الماضية على جلب الأسرى الفلسطينيين والعرب إلى المحاكم العسكرية من خلال ما يُعرف بنظام البوسطة والمعابر، بحيث يجري حمل الأسير من سجنه، مُكبَّلَ اليدين والقدمين، في حافلات مصلحة السجون المصممة للتنكيل، ذات المقاعد الحديدية والنوافذ المغلقة وخزائن العزل. ويمضي الأسير في هذه الرحلة المتعبة للوصول إلى المحكمة يومين، وقد تمتد إلى أسبوع، ويبيت في المعبر (المعبار) في سجون بئر السبع والرملة والجلمة.
وهذه المعابر تُستخدم لاستقبال الأسير مؤقتًا، قبل أن يتم إحضاره إلى المحكمة، ومن ثم يعود إلى المعبار ليمضي ليلةً إضافيةً أو أكثر، قبل إعادته إلى السجن.
وبالرغم مما كانت تسببه هذه الرحلة المضنية للأسير، إلا أنها كانت وسيلةً لتبادل أخبار السجون، ونقل الرسائل، والتفاعل بين الأسرى.
ومنذ السابع من أكتوبر، أوقفت الإدارة نظام البوسطات، وابتكرت نظامًا جديدًا لإحضار الأسرى إلى المحاكم عبر نظام الـV.C عن بُعد. ولا تكمن خطورة هذا النظام الجديد في عزل الأسير عن العالم، بما في ذلك المحامي والمحكمة،وحسب وإنما في إجراءات القمع والتنكيل والإذلال التي يتعرض لها في طريقه من زنزانته إلى قاعة الـV.C، التي لا تبعد سوى بضع عشرات من الأمتار عن قسمه، ولا تستغرق سوى بضع دقائق.
ففي صبيحة كل يوم، عدا يومَي الجمعة والسبت، يجري إخراج الأسرى الذين لا يزالون في مرحلة المحاكمة من زنازينهم، ثم تجري عملية تقييد أيديهم من الخلف وأرجلهم بشدة، قبل أن يتم إدخالهم داخل السياج الحديدي الذي يفصل إدارة السجن عن القسم.
وقد ابتكرت إدارة السجون أسلوبًا مُهينًا في اقتياد الأسرى إلى قاعة محكمة الـV.C، بحيث يجري إغلاق أعينهم بالعصبات ذات اللونين البني أو البرتقالي، وإن لم يجدوا ما يكفي من هذه الشرائط، يعمد السجّان إلى أي كيس بلاستيكي يلتقطه عن الأرض، ويقوم بإغلاق عيني الأسير بهذا الكيس.
ثم تأتي مرحلة ربط الأسرى بعضهم ببعض من خلال حبل طويل أو سلك معدني سميك أو خرطوم مياه طويل،ليجري تمريره بين أذرع الأسرى المقيَّدة من الخلف، وتتم عملية ربطهم بإحكام، ومن ثم يقوم أحد السجّانين بإمساك طرف الحبل واقتياد الأسرى. أما بقية الشرطة المرافقين للأسرى، فيقومون بضربهم بالهراوات والعصي، أو باللكمات والركلات، طوال الطريق، وإرغامهم على إحناء ظهورهم إلى الأمام.
والأنكى من ذلك، أنه يتم إجبارهم على الغناء طوال الطريق، في رحلة الذهاب والإياب، بأغانٍ سوقية بهدف السخرية منهم. ومن هذه الأغاني:
يا غنماتي… ماء… ماء.
أنا القطار السريع.
واحد حمص، واحد فول… أنا بحب مشمار جفول.
وفور إيصالهم إلى غرفة الانتظار، كان يجري الاعتداء عليهم، أو رشّهم بالماء في بعض الأحيان.
غير أن الأسير، الذي كان ينتظر بفارغ الصبر وصوله إلى قاعة الـV.C كي يتحدث إلى محاميه خارج سياق محاكمته، أو للاطمئنان على ذويه، إذا سأل المحامي عن الأخبار العامة، يجري إغلاق السماعة، أو حتى ضرب الأسير. وإن حدث واشتكى إلى قضاة المحكمة مما يتعرض له من تنكيل، تقوم الشرطة بالاعتداء عليه والتنكيل به، وتقوم الإدارة بالانتقام منه من خلال اقتحام غرفته والاعتداء عليه أو تهديده لإرغامه على سحب الشكوى، ونقله إلى قسمٍ آخر.
ومع ذلك، كان ينجح الكثير من الأسرى في اصطياد بعض الأخبار من خلال المحامي، أو من خلال التفاعل مع بقية الأسرى من الأقسام الأخرى وتبادل المعلومات. وما إن يعود أسرى المحاكم، في ساعات المساء، إلى أقسامهم، حتى تبدأ عملية الاستفسار عن آخر الأخبار، لتتحول شذرات الأخبار التي جرى تجميعها من هنا وهناك إلى وجبةٍ دسمة، لإشباع التعطش لسماع الأخبار ومعرفة ما يجري في الخارج.
وكم كانت المشاهد قاسيةً عندما كان يعود هؤلاء الأسرى من قاعة الـV.C، وهم يعانون من أوجاع وكدمات بسبب الاعتداء عليهم في طريق الذهاب والإياب.
