هل يُسمح لعاشقٍ أن يخاطب معشوقه الذي رحل؟

فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

من أين أبدأ؟
لا أملك في هذه الدنيا إلا يقينًا وقلمًا يوثّق تاريخًا عشته، وجبهةً عصبتها بالأصفر منذ الطفولة، لأكبر على أناشيد النصر وشحذ الهمم.

أتذكّر دموعي وأنا طفلة أمام شاشة التلفاز، أتابع فرحة التحرير، ولعلّ أرسخ المشاهد في ذاكرتي كسر بوابات معتقل الخيام.
مرّت ست سنوات بعد التحرير، ولم يهدأ التحريض والتشويه؛ حقدًا من عدوّ، وحسدًا من قريب. ثم جاء عام 2006، فثبت الجذر وتمدد.

شكرًا على وسام عزّ طبعته على جبين كل عربيّ مقاوم.
شكرًا على مكانةٍ حفظتها وسط أنظمةٍ مهترئة.
شكرًا على إيمانٍ أودعه الله في الفطرة، وسقيته عرق جبينك حتى أزهر.
وشكرًا على نصرٍ صنتَه نحو أربعة وعشرين عامًا، ثم دفعتنا إلى امتحانٍ آخر: امتحان إنسانيتنا وضمائرنا.

فعلى أيّ شعورٍ أشكرك، أنت وأبناؤك؟
كنت أول من لبّى وناصر، فنجوت يا شهيد الصدق والثبات.

أما بعد، يا أبانا، فاسمح لي أن أشكو لك، من بعد الله، حالي.

ها نحن نكمل المسير، نحمل فخرنا بكم، ونشدّ أرواحنا إلى وعد اللقاء.
رأيت الوفاء يلمع في عيون الصادقين، والشماتة تتخفّى في عيون المبغضين؛ لكن الطعنة الأعمق جاءت من ذوي القربى، حين انكشف المنافقون وسقطت الأقنعة.

آه يا سيد… كم كان حملك ثقيلًا.
لعلّنا لا نعرف وزن النعمة إلا حين يغيب صاحبها.

عزيز روحي، يا من أراحك الله من عناء الدنيا…
هل يتّسع صدرك لأن أضع بين يديك بقية وجعي؟

تضيق الكلمات عن حمل هذه الحرقة؛ جرحٌ في القلب أبى أن يندمل.
لكن النار الأشد ليست نار الغياب وحده، بل نار تخوين الصادقين، وتشويه الشرفاء، ورفع الأدعياء، والتصفيق للسخفاء، والتغاضي عن الفجّار، ولوم الأحرار، والتفريط في السيادة والقرار، ثم صبغ كل ذلك باسم «الثورة»!

هل رأيت، من عليائك، كيف تُغدر رايات أبنائك؟
كيف ينتفخ بعضهم خلف الشاشات، فيطعنون أنصار الحق وأبناء التراب الذين ثبتوا تحت القصف، وحملوا النزوح على أكتافهم؟
هل رأيت المتملقين والمتسلقين، وهم يتدثرون بعباءة الدين ويرفعون راية المقاومة؟

نحن المظلومون الأقوياء، الفقراء الذين يملكون غنى اليقين؛
نحن الواثقون بأرضٍ يرثها عباد الله الصالحون.

وشكواي هذه لك لأنك شهيد، والشهداء عند ربهم يُرزقون.
أما لجوئي، فإلى الله وحده، لا شريك له.

وقبل الختام، أريدك أن تعرف أن هذه الرسالة ليست لإيلام قلبك، بل لأقول لك إن رحيلكدژ كان مصباحًا كاشفًا؛ أضاء ما خفي، وعرّى وجوهًا حسبناها غير ما كانت.

وقلبك اللين، الذي احتمل أثقالًا لا تُرى، ربما لم يكن ليتحمّل هذا القدر من التواطؤ.

اعذرني، فلم أتمكّن من مخاطبتك سابقًا، رغم أنني أتحدث عنك كل يوم.

كدت أنسى أخبرتك عن الحرقة …

أما الجرح، فأنت أعمقه.

إلى اللقاء، يا معلّمنا وعبد الله الصالح؛ سنحمل عهدك حتى نلتقي.