حين تصبح الدول «وظائف» على خريطة الإمبراطوريات: هل العالم رقعة واحدة في المشروع الأمريكي؟

فاتنة علي، لبنان/ سوريا الطبيعية

لطالما نظرت الإمبراطوريات إلى خريطة العالم باعتبارها رقعة واحدة مفتوحة أمام التمدد والنفوذ، لا باعتبارها مجرد مجموعة من الدول المستقلة والمنفصلة عن بعضها. وكانت السيطرة على العالم، تاريخياً، تمر عبر السيطرة على النقاط الاستراتيجية: دول تطل على مضائق بحرية، طرق تجارية عالمية، مناطق غنية بالنفط والمعادن، أو مواقع جغرافية تسمح بمحاصرة قوة صاعدة أو منعها من التمدد.

هذه القاعدة لم تكن جديدة.

فالإمبراطورية الرومانية مارستها، والإمبراطورية البريطانية مارستها، وغيرها من القوى الإمبراطورية بنت نفوذها على أساس التحكم بالجغرافيا والممرات والموارد.

فما الذي يمنع الولايات المتحدة الأمريكية من التفكير بالطريقة نفسها؟

إذا وضعنا خريطة العالم أمامنا، ونظرنا إلى مناطق النفوذ الأمريكية، ثم حاولنا تحديد القوى التي تعاديها أو يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى قوى صاعدة تشكل تهديداً لمصالحها، فقد نصل إلى قراءة مختلفة لطبيعة العالم المعاصر؛ قراءة لا تنظر إلى الدول فقط ككيانات سياسية، بل إلى بعضها باعتبارها أدوات جغرافية تؤدي وظائف استراتيجية محددة.

وهنا لا نتحدث عن إسرائيل وحدها.

فإذا كانت سياسة «زراعة الجغرافيا» قد ارتبطت في أذهان كثيرين بمنطقة غرب آسيا، فإن أمثلة أخرى خارجها تستحق التوقف عندها.

خذوا ليبيريا في غرب أفريقيا مثلاً.

فالدولة التي تأسست في القرن التاسع عشر ارتبط ظهورها بمشروع إعادة توطين العبيد المحررين من الولايات المتحدة، لكن يمكن النظر إلى موقعها أيضاً ضمن سياق أوسع يتعلق بخلق موطئ قدم أمريكي على الساحل الأفريقي، في منطقة يمكن أن تكتسب أهمية استراتيجية مع تطور التنافس الدولي على القارة.

ثم ننتقل إلى آسيا.

هنا تظهر تايوان باعتبارها نقطة جغرافية شديدة الحساسية بسبب موقعها قبالة السواحل الصينية وارتباطها بالتوازنات البحرية في شرق آسيا. فالمسألة لا تتعلق فقط بحدود سياسية، بل بموقع يمكن أن يتحول إلى عقدة أساسية في أي صراع على النفوذ البحري في المنطقة.

وإذا انتقلنا إلى النصف الغربي من العالم، نجد أن الجغرافيا نفسها تفرض حضورها بقوة.

البحر الكاريبي ليس مجرد مساحة مائية؛ بل هو المجال الحيوي المحيط بالولايات المتحدة، ولذلك ارتبط تاريخياً بالتدخلات والصراعات مع دول مثل كوبا وفنزويلا. ومن هنا يمكن فهم حساسية واشنطن تجاه أي قوة قد تنشأ في محيطها الجغرافي المباشر وتتحول إلى مصدر تهديد لنفوذها.

أما إذا اتجهنا شمالاً وشرقاً، فنصل إلى أوكرانيا.

هنا أيضاً تلعب الجغرافيا دوراً مركزياً؛ فالموقع الأوكراني يقع عند نقطة تماس شديدة الحساسية بين روسيا وأوروبا، ولذلك تحولت البلاد إلى واحدة من أهم ساحات الصراع على النفوذ بين روسيا والغرب.

وبالعودة إلى غرب آسيا، تظهر إسرائيل.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى شبكة المصالح لا إلى الحدود السياسية وحدها.

فإذا كانت هذه الكيانات تؤدي أدواراً استراتيجية مرتبطة بمواقعها الجغرافية، فإن السؤال الذي يتكرر منذ عقود يصبح أكثر إلحاحاً:

من موظف عند من؟
هل أمريكا موظفة عند إسرائيل، أم أن إسرائيل هي الموظفة عند أمريكا؟

ولعل إحدى أكثر العبارات وضوحاً في هذا السياق جاءت على لسان الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عندما قال، بمعنى صريح، إن الولايات المتحدة لو لم تكن إسرائيل موجودة لكان عليها أن توجدها.

وهنا يجب التوقف عند نقطة تاريخية مهمة.

فالرئيس الأمريكي هاري ترومان لم يكن متحمساً في البداية لفكرة الاعتراف بإسرائيل، إلا أن الحسابات السياسية الداخلية، وتأثير اللوبي اليهودي الصهيوني على شريحة من الناخبين والسياسيين الأمريكيين، كانت من العوامل المؤثرة في القرار.

وهذه تحديداً إحدى نقاط الالتباس التي تجعل البعض يضيع في الإجابة عن السؤال الأساسي:

من يحمي مصالح من؟
أمريكا تحمي إسرائيل، أم إسرائيل تؤدي وظيفة في حماية المصالح الأمريكية؟

لكن القضية لا تتوقف عند لحظة تأسيس إسرائيل.

فالتحالف الأمريكي معها أخذ شكلاً أعمق وأكثر استراتيجية بعد حرب عام 1967، عندما أصبح موقعها ودورها في المنطقة جزءاً أكثر وضوحاً من الحسابات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط.

ومن هنا تبرز أهمية تصريح الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، الذي قال إن المشهد السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل تغير، مشيراً إلى أن كلمة واحدة ضد إسرائيل كانت في السابق كفيلة بإخراج السياسي من عالم السياسة، بينما أصبحت اليوم كلمة جيدة بحق إسرائيل قادرة على فعل ذلك.

وهذا التصريح، إذا وضعناه في سياق التحولات السياسية الأمريكية، يفتح سؤالاً آخر حول مدى استمرار تأثير اللوبيات المؤيدة لإسرائيل بالقوة نفسها التي كانت تتمتع بها سابقاً، خصوصاً مع صعود أصوات سياسية جديدة، ومن بينها فوز زهران ممداني في نيويورك.

لكن الجغرافيا لا تتوقف عند هذه الأمثلة.

سنغافورة، مثلاً، تمثل نموذجاً شديد الأهمية عند النظر إلى مضيق ملقا، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره جزء ضخم من حركة التجارة والشحن العالمية.

فأهمية سنغافورة لا يمكن فصلها عن موقعها الجغرافي.

وهنا يصبح السؤال أكثر اتساعاً:

هل لاحظتم حجم الكيانات التي ارتبط وجودها أو دعمها بوظيفة جغرافية واستراتيجية تتجاوز حدودها السياسية؟

فالدولة في هذه القراءة ليست دائماً مجرد دولة.

قد تكون ميناءً، أو قاعدة، أو حاجزاً جغرافياً، أو نقطة مراقبة، أو عقدة تجارية، أو جداراً في وجه قوة صاعدة.

ومن هنا تأتي الفكرة الأكثر خطورة:

إذا انتهت الوظيفة، فماذا يحدث للكيان الذي ارتبط بها؟

فالكيانات التي تقوم على وظيفة استراتيجية تكون قيمتها، في الحساب الإمبراطوري، مرتبطة بمدى استمرار تلك الوظيفة.

وبناءً على ذلك، يمكن أن نفهم جانباً من حجم التراجع الأمريكي من خلال النزاعات والحروب القائمة، وكذلك تلك التي يمكن أن تنشأ مستقبلاً بسبب الجغرافيا نفسها.

فكلما اتسعت دائرة النفوذ، اتسعت معها دائرة المسؤوليات والصراعات ونقاط الاحتكاك.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

إلى أي مدى ستتمكن الولايات المتحدة من معالجة مشاكلها الداخلية والخارجية في الوقت نفسه؟

وهل ما زالت تمتلك القدرة على الخروج من عنق الزجاجة الذي وجدت نفسها عالقة فيه، خصوصاً مع تصاعد المواجهة مع إيران واتساع رقعة الصراع على النفوذ؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى قراءة العالم من زاوية قومية أو طائفية أو مذهبية، بل إلى النظر إليه كخريطة مصالح وممرات ومواقع استراتيجية وصراعات على النفوذ.

ومن هنا تأتي بقعة الضوء في هذا المقال:

محاولة فهم ما يحدث بعيداً عن الانتماء، ورفض تحويل الإنسان والشعوب والجغرافيا إلى مجرد أدوات في مشاريع القوى الكبرى.

فالعالم ليس رقعة شطرنج يفترض أن تتحكم بها دولة واحدة، ولا ينبغي أن تتحول الشعوب إلى مجرد بيادق على خريطة النفوذ.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:

ماذا يحدث عندما تبدأ الإمبراطورية بفقدان السيطرة على الخريطة التي بنت نفوذها فوقها؟

«حين تنتهي الوظيفة، تبدأ الأسئلة… وحين تتغير الخريطة، تسقط حسابات الإمبراطوريات.»