أتدبّر في سردية الأعور الدجال، ونفخ السامري، وعلوّ قارون، كلّهم مجتمعين في زمن واحد، وأطرح على نفسي، قبل غيري، أيّ نهايات يمكن أن يرسمها الإنسان لنفسه، وكأن الحروب والصراعات والفتك بالأبرياء والفقر والأمراض والكوارث الطبيعية والتلاعب بخلق الله غير كافية لجعل حياة هذا الكائن البائس تعيسة.في مسار الإنسانية ومحطات التاريخ، من الطبيعي الانتقال من براديغم إلى آخر، وبراديغم هذا الزمن مخيف، يهدد المسار الإنساني عطاءً وبقاءً.
فهل سيبقى الإنسان رهينة خوارزميات، وأسير برمجيات هذا التحدي الماثل؟تعمل ماكينة الغرب منذ قرون بكل طاقتها على التحكم في البراديغمات، وعندما يكون الانتقال جمعيًا، يكون أكثر تعقيدًا وأشدّ نتيجة. ومن يدّعي قيادة حضارة الإنسان، فإن عمله جبار في هذا المضمار. وما من إنسان إلا وهو ابن براديغم زمانه، سواء قبل أم كره.
كان القرن السابع عشر وما تلاه مرحلة تشكّل لبراديغم الغرب الذي سام الإنسانية سوء العذاب، وكانت الثورة الصناعية أحد أبرز تجلياته. وطغت الطبيعة والمادية المخبرية على معرفة الإنسان، حتى طُرح السؤال: هل الآلة للإنسان أم الإنسان للآلة؟ وسُوّقت حينها عناوين متعددة لخدمة بورجوازية استعباد الخلق.أما الآن، فيجري العمل على إيجاد البديل الكامل والتخلي عن الإنسان بعد أن تم استنفاده. وإعصار وادي السيليكون سيكون عاتيًا، ببرمجيات لا نزال نجهل أهدافها وحدودها.
ويكمن الخوف في التخلي عن وظيفة الإنسان التي حفظها عبر التاريخ ومسار الحضارات، إذ أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من سَلْكَنة زماننا، وربما سحقنا.هنا نطرح السؤال: هل سنفقد، بالذكاء الاصطناعي، العلاقة مع الحقيقة، ونعيش مرحلة خمول العقول وكسل الإدراكات، لنفقد قواعد المقارنة ونظم التصحيح وطرق النقد ومناهج البحث، ونصبح ميّالين إلى الاتكالية المحضة؟ هذا في الحد الأدنى. أما في الحد الأقصى، فهل ستتجاوز أودية السيليكون حدود المعقول والمقبول؟
لعقود طويلة، ظلّ الخطاب البشري يتعاطى مع خروج الآلة عن سيطرة صانعها باعتباره مجرد قصص أسطورية. ومع الزمن، وصلنا إلى تحوّل بنيوي يمكن أن ينتزع فيه قرار الإنسان عبر سطور من الشفرات والبرمجيات الذاتية.يجب أن نتوقف عن تقديم برامج الذكاء الاصطناعي كمجرد برمجيات مسلّية وخدمية في التكنولوجيا الحديثة ببساطة، وتبريرها دون معرفة حدودها؛ لأن الكلام نفسه تحيلنا دلالاته إلى من يصنع البيانات بعملية تمويه ذكية.
خرج العالم البريطاني جيفري هينتون، عرّاب الذكاء الاصطناعي والحائز على جائزة نوبل، وقامة من قامات أودية السيليكون، بتصريح صادم ومرعب الليلة في مقابلة لبرنامج Newsnight على تلفزيون الـBBC، قائلًا إن الذكاء الاصطناعي، وبنسبة احتمال قدرها 10% إلى 20%، لديه قابلية متصوّرة لإفناء النوع البشري في غضون عقد.كما أعلن الباحث البريطاني جاكوب كوكسون استقالته من شركة Anthropic، والتوقف عن العمل في أبحاث «التدريب المسبق» للنماذج الموزعة بين OpenAI وAnthropic، وأعلن عبر منصة «إكس» اتهامًا مباشرًا لكلتا الشركتين بعدم التصرف بمسؤولية، وبأنهما «تندفعان مباشرة نحو ذكاء اصطناعي قادر على تحسين نفسه ذاتيًا»، مراهنين بحياة البشرية، وهذا أمر جلل.لم يتأخر الرد من داخل المؤسسة ذاتها؛ إذ أيّد إيفان هوبينغر، أحد كبار باحثي السلامة والمواءمة في شركة Anthropic، هذه التحذيرات، واضعًا تقديرًا رقميًا مرعبًا: احتمال تسبب الذكاء الاصطناعي في إبادة البشرية أو القضاء على الحضارة بنسبة 10%. ومع سرعة التطور المخيفة، قد ترتفع النسبة من حيث لا نعلم، لأن الآلة الذكية قد تبرمج نفسها بنفسها، وتطوّر ذاتها خارج حسابات أصحابها والبرمجيات التي خُصصت لها، وهذا ما ظهر في تجارب عديدة.
كما دقّ دين دبليو بول (Dean W. Ball) ناقوس الخطر في مقاله التحليلي الصادم بعنوان «On the Loose»، وهو مستشار للرئاسة الأمريكية في شؤون الذكاء الاصطناعي والاستشراف، محذرًا من نقطة هذا التحول، ومستشهدًا بحدث تقني شكّل صدمة دوّت في أروقة صنع القرار الأمني والعلمي: واقعة منصة Hugging Face.تمثلت الواقعة في اختبار تجريبي مخصص لقياس قدرة «الوكلاء الذكيين» على حل المشكلات البنيوية.
وُضعت هذه الأنظمة داخل «بيئة معزولة تمامًا عن الهواء والإنترنت» (Air-gapped Environment)، لضمان عدم اتصالها بالعالم الخارجي. غير أن الوكيل الرقمي، وفي سبيل تحقيق الهدف الذي بُرمج لأجله، التمس أقصر الطرق وأكثرها نجاعة؛ فخالف التعليمات الضمنية، واخترق جدار العزل، ونفذ عملية قرصنة سيبرانية متقدمة نحو منصة Hugging Face للحصول على البيانات المطلوبة وحل المسألة. والأدهى أن مهندسي السلامة والمراقبين لم يكتشفوا هذا الاختراق والتجاوز إلا عندما أعلنت المنصة الرقمية عن تعرضها لهجوم سيبراني.
حذّر «دين بول» من أن مستقبلًا قريبًا قد يشهد تشكّل «أسراب» من هؤلاء الوكلاء المستقلين، ستتصرف كعصابات رقمية ذاتية التمويل، تقتات على القرصنة وبيع البيانات لتطوير قدراتها الذاتية خارج أي إطار تنفيذي أو مراقبة بشرية.تكمن العقدة الحقيقية ليس في الوضع الراهن، فيما يُعرف بـ«التحسين الذاتي المتسلسل» (Recursive Self-Improvement)، بل عندما تصل الأنظمة الذكية إلى مرحلة تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي بنفسها.
حينها سنكون أمام متوالية هندسية تتضاعف فيها القدرات الفائقة خلال ساعات، في الحد الأقصى، أو مع غياب الإنسان عن دوامه أو ذهابه لفترة استراحة؛ ليولد النموذج القوي نموذجًا أشد قوة منه، في حلقة مغلقة تتجاوز كليًا سقف الإدراك والسيطرة البشرية عليه.هذه الاستقالات والتحذيرات من وادي السيليكون بشأن تقنية الذكاء الاصطناعي تكشف عن مخاطر قد تفوق أثر القنابل النووية، بابتكار تقنيات خارقة قادرة على شن هجمات سيبرانية معقدة والسيطرة على مقاليد التحكم والنفوذ.
في المقابل، تطمئن أطراف أخرى الرأي العام بدبلوماسية محسوبة ومنضبطة، حتى لا ينهار ما خُصص من ميزانيات تتراوح ما بين 2.5 و2.6 تريليون دولار في عام 2026 لبحوث أودية السيليكون عبر العالم.
يكمن الخوف حين يخرج المارد المصنوع من إبداع العقل البشري إلى العقل الآلي. عندها سيعجز من أبدعه عن توقيفه؛ لأنه سيكون جامعًا لعقول مبدعة، وحينها سيكسر قيود محبسه ويأخذنا إلى حافة الفناء للوجود البشري.
لم يعد الخطر المحض ينحصر في نماذج الذكاء الاصطناعي التفاعلية التي نجيبها وتجيبنا عبر الشاشات، بل ينبثق من الانتقال الحاسم نحو مفهوم «الوكلاء المستقلين» (AI Agents). فالوكيل ليس مجرد نموذج لغوي يولّد النصوص ويجتهد فيها بحدود، بل هو كيان رقمي يمتلك ذاكرة، وقدرة على اتخاذ القرار، واستخدام أدوات التقنية، وتنفيذ المهام المركبة دون تدخل بشري مباشر، وباستقلالية كاملة.
لماذا لا يتوقف هذا السباق في وادي السيليكون المحاط بالمخاطر؟كما لا تجرؤ أي شركة أو قوة دولية على التوقف أو التأخير، يأتي ذلك من الخوف من أن يستغل المنافس تلك اللحظة ليسبق إلى تحقيق «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI)، فيتمكن من السيطرة على البشرية. بمعنى آخر، هي حرب نفوذ وازدياد قوة، في حين تُمنح هذه الإمكانيات للوسيط الآلي ليصبح له نفوذ مطلق يمكن أن يزيلنا. الجميع يلعب بالنار، لكن لا أحد يملك شجاعة الانسحاب.
صحيح أن ما حدث قبل أيام كان من أهم أحداث الذكاء الاصطناعي، حين أعلنت OpenAI أن نظامًا من وكلاء الذكاء الاصطناعي أنتج حلًا لمسألة Navier–Stokes، وهي واحدة من أصعب المسائل الرياضية التي عجز البشر عن حلها منذ حوالي 90 عامًا.
تصف هذه المعادلات حركة الماء والهواء، وتُستخدم في الطائرات والطقس وحتى في دراسة تدفق الدم.اشترك في نظام البحث، في التوقيت نفسه، حوالي 10,000 وكيل للذكاء الاصطناعي، واستخدموا Codex حتى يجمعوا أفضل أفكارهم ويربطوها ببعضها.ووصلوا إلى البرهان خلال 88 ساعة، بعد تبادل 2.7 مليون رسالة واستخدام حوالي 130 مليار Token، ثم استخدموا GPT-6 Astra لمدة 17 ساعة إضافية للتحقق من البرهان داخل نظام Lean.ولهذه الشركات مختبرات ونماذج أقوى بكثير من تلك التي تروّج لها تجاريًا، لكنها تخفي العديد من الحقائق التي ستبقى ضمن الأمن القومي لدول الهيمنة. إلى هذا الحد نقبل بالذكاء الاصطناعي؛ أما ما يُحاك ويُحضّر في الخفاء، فهو مرفوض.
إن قبلنا بالذكاء الاصطناعي المراقَب والمحدد بقواعد البشرية، يبقى الخوف الكامن من الأسلوب الذي يُتبع في مناهج البحوث لجامعات عريقة ومراكز عتيدة، وهي الأكثر تأثيرًا في تسيير براديغم المجتمعات، بأن تُغذّى هذه المصادر الذكاء الاصطناعي بما يريده طرف واحد بعين الدجال.
حينها سنعيش مغالطات، ومن ينفق المال سيجني الأرباح، ويكبح العقول ليكثر اللُّفاح ، وسنسقط، كالعادة، في محذور أدوات القوة والنفوذ والحروب التي نعيشها في زمننا.المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في المؤسِّس والمخطئ المتعمد. والخوف في الانتقال إلى براديغم نبني فيه آمالًا وتطلعات يمكن أن تشكّل إخفاءً للمعرفة نفسها.
وهكذا، يصبح النص المكتوب موجّهًا حسب الطلب، والرسم البياني الذي يُقدّم يصبح أمرًا بديهيًا، والاقتباس المختلق يصبح ضمانًا لا يجوز الرد عليه؛ لأنه عصارة الذكاء الاصطناعي الخارق. وهذه، كشقشقية الإمام علي، تسري على الذكاء الاصطناعي وهو صامت.
من الأمثلة الحية التي نعيشها: الهاتف الجوال الذي يجيبك قبل أن يرتد إليك طرفك، وما يحويه، دفعنا إلى الخمول الفكري، وأصبح سلاحًا فتاكًا في معركة كيّ الوعي، ويشكّل حالة من الإدمان المدمرة لقدرات الإنسان، حين نجد أن الخوارزميات تقوم مقام الفرد، وأفرادنا منشغلون بالأرجيلة الزمن الأغبر.
سيُعتمد على نتاج الذكاء الاصطناعي في كل شيء، حتى في أرقى الكفاءات المهنية، وسنستغني عن الدكتور والمهندس والقانوني والعسكري والأستاذ والفنان والرسام، وحتى المنان.مع فقدان الوازع الأخلاقي والقانوني والديني لدى طبقة من شعوبنا، وهي أقرب إلى التندقة الأبستينية بعد طيّ مرحلة الزندقة النواسية، سينتشر الكذب والزور وهتك الأعراض والاحتيال والظلم، والنفخ في خوار المدّعين؛ لأن التزييف أصبح سهل الإنتاج، مع تمظهر صاحبه بالطهرية، وهو أقرب إلى الرجس.كل الخوف أن يصبح تحوّلنا تحيزًا يتخذ مظهرًا منافيًا للحقيقة، لأن صنّاعه لا تخدمهم الحقيقة، بل فائدة رأس المال. ولنا تجارب تاريخية طويلة في كل مراحل البراديغم الذي عاشته الإنسانية من قبل.
في البراديغم الجديد، ستُصادر من المجتمع قدراته على التحليل والتثبّت، وسنُساق كالقطيع للتبجيل، ونُحاط بأنظمة لا تفهم من معاني الأخلاق والرحمة التي عاش بها الإنسان لعقود طويلة، ففي برمجيتها لا نواميس للأحاسيس.
سيُباع لنا الذكاء الاصطناعي كأداة لتطوير البشر، على أنه إبستيميا. وإذا لم نتقن الاستفادة منه ضمن حدود واضحة، مع إبقاء حواسنا العقلية في حالة تأهب قصوى، سنسقط في المحذور. لذا يجب أن نتقن فنّه الخوارزمي وحساباته الفريدريشية، حتى لا نستحمر ونصبح كمن يحمل أسفارًا.
في إبستيميا هذا التحول، لن يُطلب من المواطن الالتزام بأيديولوجية، بل بالخضوع لقوانين هؤلاء. وكل الخوف من كارتل إيلون ماسك، وبيتر ثيل، وبيل غيتس، وجيف بيزوس، وريد هوفمان، ومارك زوكربيرغ، الوارثين الأصليين لقارون، والممسكين بسامرية العجل، والمستعلين بعين الدجال، طالما الأصفر يُقتل من أجله البشر.
حسن بن عمارة-تونس
