الفلسطينيون الحمر:
الحلقة الثانية : المعنى التوراتي لأمريكا

كميل أبو حنيش/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

عندما أبحرت سفن كولومبوس نحو الغرب كان يدور في خلده أنه متوجه إلى الهند ولم يكن يعرف أنه سيكتشف عالماً جديداً بسكانه ومساحاته الشاسعة، ولذلك جاءت تسمية السكان الأصليين للعالم الجديد بالهنود الحمر ظناً من «كولومبوس» وحملته أنهم قد وصلوا إلى الهند، أما المكتشف الحقيقي للقارتين بعد أن أغرى الرحالة للقيام برحلات أوسع هو المستكشف الإيطالي «أمريكو فسبوتشي» الذي اكتشف عملياً القارتين وهو من فتح شهية دول أوروبا في ذلك الحين كبريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال بالمباشرة باستعمار هذه البلاد.

لقد سالت لعاب الرجل الأبيض على هذه البلاد التي لا تدر لبناً وعسلاً فحسب إنما تدر موارد طبيعية ومحاصيل زراعية وخيرات كثيرة، أما السكان الأصليون الذين باتوا يعرفون بالهنود الحمر فقد كان عددهم يقدر بعشرات الملايين فعشية وصول «كولومبوس» كان يقدر عددهم بـ112 مليون هندي يتألفون من 400 أمة وشعباً على امتداد القارتين، وهذه الشعوب ليست بدائية ومتخلفة كما جرى تصويرها، وإنما نجحت في إقامة حضارات وثقافات وكان لها معتقدات دينية وأنظمة دولة، رغم أنها كانت متأخرة نسبياً عن حضارات العالم القديم (آسيا وأوروبا وأفريقيا).

وقد شكّلت المرجعية التوراتية أساساً مهماً في تبرير عمليات الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين وإبادتهم، إذ جرى استحضار قصص العهد القديم لتبرير إبادتهم لهذه الشعوب، وجعل ما حدث مع الكنعانيين نموذجاً يحتذى به في العالم الجديد (أمريكا). (28: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، دار رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى، حزيران 2002.)

وقد اعتبر المستعمرون وصولهم إلى أمريكا خروجاً توراتياً جديداً، وكأنهم يكررون رحلة بني إسرائيل من مصر إلى أرض الميعاد. (29: روجيه غارودي، الإرهاب الغربي، الجزء الأول، مكتبة الشروق، القاهرة، ط1، 2001، ص67.)

وبالنسبة إلى المستعمرين الأوائل، فقد تحولت أمريكا إلى أرض الميعاد الجديدة، أو أرض كنعان الموعودة (أمريكا). (30: روجيه غارودي، فلسطين أرض الرسالات السماوية، ط1، 1991، ص144.)

كتب «ترمان نلسن» وهو واحد منهم يقول: «من البديهي الواضح أن الله قد دعا المستعمرين إلى الحرب. وقد لجأ الهنود وأحلافهم من القبائل إلى التجمع وحمل السلاح لارتكاب الشرور كما فعلت في أغلب الظن القبائل القديمة من العمالقة والفلستيين الذين تحالفوا مع غيرهم في مواجهة إسرائيل». (31: روجيه غارودي، فلسطين أرض الرسالات السماوية، ط1، 1991، ص144.)

لقد ظهرت إمكانية الحصول على ملكية أراضٍ شاسعة بالسطو والنهب والإبادة لاستملاكها بعملية تجديد اكتشاف أرض الميعاد، ودخولها كنوع من تنفيذ الوعد الإلهي بأرض الميعاد، ويطرح ذلك تمويهاً ذاتياً يخضع لأخلاقية دينية مزعومة قائمة، وعلى اعتبار أن سكان أمريكا الأصليين مماليك وكنعانيين وغيرهم ممن يتيح النص التوراتي قضم أراضيهم ويجعل الإبادة بحقهم ضريبة دينية فرضها يهوه، العودة إلى مصادر التوراة دوراً وظيفياً في تبرير احتلال وإبادة سكان أمريكا الأصليين بهدف الاستيطان. (28: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، دار رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى، حزيران 2002.)

يعتبر يهوه في المفهوم الوثني القبلي للإسرائيليين الأوائل إلهاً غيوراً ويمنح النصر للقبائل التي يحميها، والتي جعل منها الشعب المختار، وفرض عليها حق بل واجب إبادة الشعوب التي لا تشاركهم الإيمان به. (33: روجيه غارودي، الإرهاب الغربي، الجزء الأول، مكتبة الشروق، القاهرة، ط1، 2001، ص66.)

لقد استخدم مصطلح الشعب المختار بكثافة من الكتّاب والوعاظ والمستعمرين في القرن السابع عشر، وتضمنت هذه الرؤية لشعب الله المختار تبرير الإبادة والقتل ضد السكان الأصليين. (34: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، المجلد الثالث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط1، 2015، ص380.)

ويعتبر روجيه غارودي بفكرة شعب الله المختار «أنها أكثر الأفكار دموية في التاريخ فقد أوحت بعد تطعيمها بمعارك يشوع الأسطورية البيوريتانيين الإنجليز الذين وصلوا أمريكا لاغتصاب أرض الهنود وجعلت أحد الباباوات يتساءل اذا ما كان الهنود يتمتعون بروح كالبيض، ثم قسم أراضيهم بين إسبانيا والبرتغال، فهذه الفكرة إذن أساس الكثير من أنماط الاستعمار». (35: روجيه غارودي، الإرهاب الغربي، الجزء الأول، مكتبة الشروق، القاهرة، ط1، 2001، ص67.)

إن ثقافة الإبادات التي عاشت عليها فكرة أمريكا المستمدة من فكرة «إسرائيل» التاريخية: الاستيلاء على أرض الغير واستبدال شعب بشعب آخر وثقافة وتاريخ بثقافة وتاريخ، وفي إطار هذه الفكرة انتحل الغزاة الإنجليز لأنفسهم صفة الشعب المختار واعتبروا أنفسهم بذلك استثناءً بإرادة الله يختصون وحدهم بتنفيذها ولا تخضع معاملتهم الشعوب الأخرى للقوانين الأخلاقية أو الإنسانية، أو المبادئ الفعلية، بل يحكمها ما نفذه العبرانيون من أساطير وتجربتهم مع الكنعانيين. (36: منير العكش، أمريكا والإبادات الجنسية، مصدر سبق ذكره، ص12.)

ويرى الباحث المختص في شؤون الهنود الحمر «منير العكش» أن فكرة أمريكا هي الترجمة الإنجليزية لفكرة «إسرائيل» الأسطورية كما تبناها الغزاة الإنجليز الأوائل، وهي تقوم على ثلاثة عناصر:

  1. احتلال أرض الغير.
  2. استبدال سكانها بسكان غرباء.
  3. استبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم.

وهذه الفكرة هي التي أرست الثوابت التاريخية الخمسة التي رافقت كل تاريخ أمريكا ماضياً وحاضراً: (37: منير العكش، أمريكا والإبادات الجنسية، مصدر سبق ذكره، ص108.)

  1. المعنى الإسرائيلي لأمريكا.
  2. عقيدة الاختيار الإلهي، والمضمون العرقي والثقافي.
  3. الدور الخلاصي للعالمي.
  4. نظرية التوسع اللانهائي.
  5. حق التضحية بالآخر.

ويشرح العكش مفهومه للمعنى الإسرائيلي لأمريكا بالتالي:

  1. إن احتلال أرض الغير واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ عمل مقدس أمر به الرب.
  2. إن فكرة الرب تجسد مشيئة الله في أرض كنعان الجديدة (أمريكا) وأهلها وثقافتها، كما جسدت فكرة «إسرائيل» مشيئة الله في أرض كنعان القديمة وأهلها وثقافتها.
  3. المستعمرون الإنجليز كالإسرائيليين التاريخيين استثناء وجودي يحتكر لأهله الاضطلاع بإرادة الله، ويختص وحدهم بتنفيذها.
  4. إن معاملة السكان الأصليين لا تخضع لقوانين أخلاقية أو إنسانية أو مبادئ عقلية، بل تحكمها تجربة «إسرائيل» مع الكنعانيين، وهذا ما جعل المستعمرين الإنجليز الذين يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار يطلقون اسم الكنعانيين على كل الشعوب التي أبادوها.
  5. إن نجاح فكرة أمريكا في العالم الجديد يشكل مثالاً طيباً يمكن تكراره حيثما شاءها شعب. (38: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، مصدر سبق ذكره، ص73.)

ويلخص العكش الفكرة بالقول: «أن كل بلاغات العقيدة الوطنية الأمريكية كانت ولا زالت تستمد روحها من فكرة إسرائيل الأسطورية، ومن القناعة بأن الأمة الأمريكية هي إسرائيل الله الجديدة، بدءاً من العهد المقدس للمستكشفين الأوائل الملقبين بالحجاج مع يهوى في سفينتهم (ماي فلاور) وهي تمخر بهم عرض المحيط سنة 1620 وانتهاءً باعتقاد الرئيس جورج بوش الابن بأنه النبي موسى». (39: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، مصدر سبق ذكره، ص153.)

فتوارد خلاصة هذه الأفكار مستندة إلى «إسرائيل» الأسطورية في الولايات المتحدة منذ نشأتها إلى اليوم على ألسنة رؤسائها وموظفيها وحتى علمائها، وقد هتف جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة في خطابه الافتتاحي: «إن كل خطوة تخطوها الولايات المتحدة تحمل علامة تدخل العناية الإلهية».

أما خليفته جون آدمز الرئيس الثاني للولايات المتحدة فكتب سنة 1765: «لقد أوجدت العناية الإلهية أمريكا لتكون مسرحاً يحقق فيه الإنسان مكانته الخاصة»، أما الرئيس الثالث توماس جيفرسون فقد صرح علانية: «أن الشعب الأمريكي هو شعب الله المختار»، أما الكاتب «هيرمان فيرن» في القرن التاسع عشر فيقول: «نحن الأمريكيون شعب الله المختار إسرائيل عصرنا نقود سفينة الحرية».