​لم تكن خطوة جيش الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من «تلال التحرير» في قطاع كفر تبنين سوى اعتراف ضمني وموارب بفشل أهدافه الكبرى في الميدان الجنوبي، ومحاولة لتغليف هزيمة تكتيكية بغطاء إعلامي يعتمد على التهويل وصناعة «المؤثرات البصرية». فما سعت الدعاية العسكرية الإسرائيلية لتسويقه على أنه إنجاز هندسي استثنائي يعكس في جوهره حجم العجز عن تغيير المعادلات الاستراتيجية المفروضة على الأرض.
​إن تفكيك هذه العملية يعري الرواية الصهيونية من زيفها، كاشفاً عن حقيقة الميدان الذي صُممت تفاصيله لإخفاء الفشل الذريع وراء هالة من الدعاية الزائفة.
​ خداع البنى السطحية مقابل عمق الردع الثابت
​إن الحديث الإسرائيلي عن عمليات استمرت أشهرًا لتطهير العقد وتحييد شبكات الأنفاق، ومواكبتها بتفجيرات أحدثت هزات أرضية محلية، لا يعدو كونه محاولة يائسة لصناعة “صيد وهمي” للتعويض عن عجز استراتيجي متأصل.
​محدودية الاستهداف: إن المنشآت التي جرى استعراض تدميرها اقتصرت على نقاط قريبة من السطح أو مخارج ثانوية أُعدت مسبقاً ضمن خطط التدرج التكتيكي وإدارة المعركة، بينما تبقى شرايين الشبكة الاستراتيجية العميقة بعيدة كل البعد عن بنك أهداف العدو.
​عجز الاختراق: إن لجوء الاحتلال لتفجير منشآت سطحية وإظهار ممرات ضيقة يكشف عجز قواته البرية عن اختراق العمق الحقيقي للبنية القتالية للدفاعات في القطاع، ويؤكد أن ما تم تدميره لا يعدو ككونه واجهات قشرية لا تؤثر في جوهر القدرات الدفاعية المنيعة.
​استحالة السيطرة: بغض النظر عن حجم التخريب المادي في المداخل العلوية، فإن طبيعة الأرض وصلابتها تجعل محاولات منع استخدام المنطقة أمراً واهياً في ظل السيطرة والنار التي تحكم مفاصل الميدان، مما يجعل أي استثمار إسرائيلي لهذا الإنجاز المزعوم مفرغاً من مضمونه الفعلي.
​ سر الصمت الإعلامي.. ارتباك القيادة وخشية افتضاح الخسائر
​إن محاولة الاحتلال تبرير تأخير إعلان العملية طوال تلك الأشهر بذريعة “تجنب رد فعل محور المقاومة” تمثل هروباً مفضوحاً إلى الأمام، وعكساً لحالة الهلع والارتباك القيادي التي تعتري المؤسسة الأمنية والعسكرية للاحتلال.
​أزمة المصداقية وغياب الغنائم: لو كانت هناك إنجازات حقيقية ترقى لمستوى التهويل، لما توانى كيان الاحتلال لحظة عن ضخ آلاف الساعات المصورة لرفع معنويات جبهته الداخلية المأزومة. لكن غياب “الغنیمات” والمشاهد الكبرى يعود ببساطة إلى انعدامها؛ فالعدو وجد نفسه أمام مادة إعلامية شحيحة ومقفرة لا تليق بحجم المعركة المزعومة.
​خشية الردع المتبادل: إن التبرير بالخوف من ردود الفعل ليس سوى اعتراف غير مباشر بفعالية قوة ردع المدافعين؛ فالقيادة الإسرائيلية باتت تدرك جيداً أن أي استعراض فارغ قد يستدعي رداً قاصياً يعيد تثبيت المعادلات ويهشم ما تبقي من هيبة لجيشهم أمام جبهتهم الداخلية.
​ الانسحاب تحت النار.. الهروب من جحيم الدبابات المحترقة
​إن قرار سحب الوحدات العسكرية من التلال الحاكمة في كفر تبنين لم يأتِ كرغبة تكتيكية مرنة، بل فُرِض بقوة النار وثبات المدافعين والإرادة الحديدية للسيطرة على الأرض.
​جحيم التمركز المكشوف: لقد أثبتت جبهات المواجهة أن التمركز الثابت على المرتفعات المكشوفة يحول جنود الاحتلال وآلياتهم إلى أهداف سهلة ومثالية لنيران الصواريخ والمقذوفات الموجهة. الانسحاب هو اعتراف هارب من تكرار مشاهد احتراق آليات “الميركافا” التي تتحول إلى مصائد موت لمن يجرؤ على البقاء فوق التلال.
​الاستعاضة الوهمية بالنار: إن التخلي عن السيطرة البصرية المباشرة والانسحاب إلى الخلف، تحت غطاء السيطرة بالنار والجو، يمثل حيلة بائسة لحفظ ماء الوجه وتقليل الخسائر البشرية المباشرة التي لم تعد تطيقها بيئة الاحتلال العسكرية والسياسية.
​الحسابات السياسية الضيقة: لا يمكن فصل هذا الانكفاء الميداني عن أزمات نتنياهو السياسية والانتخابية، فهو يسعى بكل الطرق لتفادي أي صور لكوارث عسكرية أو جنود قتلى وآليات تحترق قد تعصف بمستقبله السياسي على أبواب أي استحقاق.

​تؤكد عملية كفر تبنين وما رافقها من تضليل وانسحاب أن العدو الإسرائيلي عاجز عن فرض وقائع دائمة في أرض الجنوب، وأن كل ما يقوم به هو مناورات استعراضية فارغة تهدف إلى تغطية عجز ميداني وفشل استراتيجي متراكم. فالمقاومة تثبت يوماً بعد يوم أن عمقها عصي على الكسر، وأن محاولات العدو ترقيع إخفاقاته بالمؤثرات البصرية والانسحابات المبررة لن تغيّر شيئاً من حقيقة الهزيمة الماثلة في أفق مشروعه العسكري.

د. نبيلة عفيف غصن