ما يجري في مرتفعات علي الطاهر هو نموذج صارخ لكيفية تحول موقع جغرافي واحد إلى ساحة صراع متعددة الطبقات، تتداخل فيها الحقيقة العسكرية بالدعاية السياسية إلى حد يصعب معه الفصل بينهما. فبينما يعلن الكيان الصهيوني تحقيق “سيطرة عملياتية كاملة” على المرتفعات وتدمير “بنية تحتية استراتيجية” تمتد لأكثر من كيلومترين، تظل الصورة الفعلية على الأرض موضع تشكيك عميق في أوساط لبنانية
قراءة نقدية للرواية الصهيونية
وفقاً للبيان المشترك لرئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، فقد استكمل جيش الاحتلال تدمير المسارات تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، وبلغ طول البنى التحتية المدمرة أكثر من كيلومترين، وعُثر داخلها على عشرات الصواريخ والقذائف الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية الصنع، إضافة إلى رشاشات وعشرات الصواريخ المضادة للدروع ومئات الألغام والعبوات الناسفة .
ووصف البيان هذه البنية بأنها “شبكة إرهابية استراتيجية بُنيت على مدى عقدين بتمويل وتخطيط إيرانيين”، وأن من المقرر أن تُستخدم “قاعدة لاحتلال الجليل” وتتيح السيطرة بالمراقبة والنيران على بلدتي المطلة وكريات شمونة .
لكن هذه الرواية تحمل علامات استفهام جوهرية. تشير مصادر مطلعة إلى أن نتنياهو كان يسعى منذ أشهر لإعلان “إنجاز عسكري” في هذه التلة، مدفوعاً بحسابات انتخابية واضحة مع اقتراب الانتخابات في الكيان الصهيوني المقررة في 27 تشرين الأول . وهذا السياق الانتخابي يفرض مراجعة دقيقة لكل رقم وكل ادعاء يقدمه الكيان الصهيوني عن حجم الإنجاز.
التناقضات في الرواية الصهيونية
تكشف الوقائع عن تناقضات صارخة في السردية الصهيونية.
فليس سراً أن هذا ليس الإعلان الأول عن السيطرة على التلة والقضاء على مقاتلي الحزب فيها، لكن الكيان الصهيوني كان يسارع بعد كل إعلان من هذا القبيل إلى إعلان استمرار غاراته على التلة ومحيطها . وقد لاحظت مصادر متابعة أن الإعلام الصهيوني المعني لم يبث حتى الآن أي مشاهد أو صور تثبت السيطرة الكاملة على التلة وأنفاقها وتجهيزاتها .
والأهم من ذلك، أن “معركة التلة” لم تنته وفق المفهوم العسكري. فمنذ سريان وقف النار الثاني في 15 حزيران الماضي، استمرت الهجمات الجوية الصهيونية على التلة ومحيطها مقرونة بمحاولات اقتحام متكررة .
وإذا كان الكيان الصهيوني قد أحكم سيطرته الكاملة، فلماذا لا يزال يشن غارات وتفجيرات في المنطقة؟
صمود المقاومين في علي الطاهر: ملحمةٌ تحت النار
في خضم هذه الرواية المضللة، يبرز صمود المقاومين في علي الطاهر كحقيقة لا يمكن طمسها. فعلى مدى أشهر من القصف المتواصل ومحاولات الاقتحام المتكررة، ظل المقاتلون مرابطين في مواقعهم، يصدون الهجمات ويردون على مصادر النيران، رغم الفارق الهائل في القدرات العسكرية والتقنية.
تشير معلومات إلى أن قيادة حزب الله كانت قد أقرت توجهاً عسكرياً محدداً: الدفاع عن التلة إلى أبعد مدى وصد الهجمات الصهيونية قدر الإمكان لتسجيل ملحمة مواجهة، مع عدم السماح للعدو ببسط سيطرته عليها “بيسر وسهولة وكأنها نزهة” . وقد جسّد المقاومون هذا التوجيه بدمائهم، حيث لم يسقط الموقع في أي مرحلة من مراحل المواجهة دون ثمن باهظ، وظل المقاومون يناوبون على المواقع المتقدمة حتى في أحلك الظروف.
هذا الصمود لم يكن مجرد بطولة فردية، بل كان نتيجة إيمان راسخ بالقضية وقدرة على التكيف مع ظروف قتالية قاسية. فرغم القصف الجوي والصاروخي والمدفعي، ورغم محاولات التوغل البري، ظل المقاومون يمسكون بمواقعهم، يتحركون عبر الأنفاق والممرات الترابية، ويوجهون الضربات للقوات المتقدمة.
وإذا كان الكيان الصهيوني قد دمر بنية تحتية تمتد لأكثر من كيلومترين، فإن السؤال يبقى: كم من الوقت والجهد والموارد استنزف هذا التدمير؟ وكم من الخسائر تكبدها الاحتلال في محاولاته المتكررة للسيطرة على التلة؟الاستراتيجية الحقيقية لحزب اللهفي الموازاة مع هذا الصمود، كان العمل جارياً على “تراجع منظم” عبر سحب تدريجي للتجهيزات والمحتوى والمدافعين عن التلة إلى مواقع أكثر دفاعية احتياطية .
هذا يعني أن ما يحاول الكيان الصهيوني تقديمه كـ”تدمير كامل للقدرات” هو في الواقع تدمير لبنية تخلت عنها المقاومة بشكل محسوب، وليس ضربة قاضية.
فالتلة كانت أصلاً – كما يقول الحزب – عبارة عن “قاعدة خلفية” تضم غرف عمليات وتجهيزات لوجستية، وليست الموقع المتقدم للقتال . وقد رفض الحزب عرضاً سابقاً بتسليم التلة إلى الجيش اللبناني مقابل ضمانات بعدم اقتحامها، لاعتبارين: عدم الثقة بأي عهود صهيونية، ورفض السماح للكيان الصهيوني بتركيز معادلة عسكرية جديدة .
البعد الإقليمي والدولي
يضيف البعد الإقليمي طبقة أخرى من التعقيد حيث أفادت تقارير أن إيران حذّرت الولايات المتحدة من هجوم صهيوني على التلة . كما أن الكيان الصهيوني يسعى منذ فترة لتصوير وجود إيراني مباشر في الموقع لتبرير استهدافه، لكن مسؤول العلاقات الإعلامية في حزب الله نفى وجود مستشارين أو مقاتلين إيرانيين، معتبراً أن نتنياهو يبالغ في أهمية الموقع لأغراض انتخابية .
خلاصة التحليل
ما يقدمه الكيان الصهيوني كـ”نصر استراتيجي” في علي الطاهر يمكن قراءته على ثلاثة مستويات متداخلة:
المستوى العسكري: تدمير بنية تحتية حقيقية، لكنها كانت قاعدة خلفية تم إخلاؤها بشكل منظم وليس موقعاً قتالياً متقدماً.
المستوى الدعائي: استثمار سياسي لموقع جغرافي بهدف تقديم صورة “إنجاز أمني” للناخب الصهيوني قبل الانتخابات المقبلة.
المستوى الاستراتيجي: محاولة لفرض معادلة جديدة تربط بقاء قوات الاحتلال في المرتفعات بنزع سلاح حزب الله، مما يحول الأرض المحتلة إلى ورقة ضغط تفاوضية طويلة الأمد .
وفي المحصلة، لا يمكن إنكار أن تدمير شبكة أنفاق بهذا الحجم يمثل ضربة لوجستية مؤلمة. لكن تقديم الأمر على أنه “تحييد نهائي لقدرة حزب الله على التخطيط والتنفيذ” يظل ادعاءً مبالغاً فيه، لا يستند إلى أدلة ميدانية قاطعة، ويخدم في المقام الأول أجندة سياسية داخلية صهيونية أكثر من كونه تقييماً عسكرياً موضوعياً.
نصر المقاومة: حقيقةٌ تتجاوز التكلفة
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: من انتصر في معركة علي الطاهر؟ الإجابة تتجاوز الأرقام والبيانات العسكرية. فالمقاومة، بمعناها الأعمق، لم تكن يوماً مجرد الاحتفاظ بموقع جغرافي أو تحصين نقطة عسكرية. المقاومة هي إرادة التحدي، وقرار البقاء، ورفض الاستسلام مهما تعاظمت التكلفة.
لقد أثبت المقاومون في علي الطاهر أن الاحتلال، رغم تفوقه الجوي والتقني، لا يستطيع أن ينتصر على إرادة شعب مؤمن بقضيته. صمدوا تحت القصف، وثبتوا في وجه الاقتحام، وتركوا خلفهم ملحمة ستُروى لأجيال. وقد استنزفوا العدو، وفرضوا عليه معادلة جديدة: كل شبر من أرضنا له ثمن، وكل اعتداء يجرّ خسائر، وكل محاولة للسيطرة تصطدم بمقاومة لا تلين.
نعم، دُمّرت أنفاق، وسقطت مواقع، وتقدمت قوات الاحتلال إلى نقاط معينة. لكن المقاومة لم تنكسر، ولم تُهزم، ولم ترفع الراية البيضاء. والمقاومة المنتصرة ليست تلك التي لا تُدمر مواقعها، بل تلك التي تبقى قادرة على إعادة البناء، وقادرة على القتال، وقادرة على هزيمة الاحتلال في النهاية. وهذا ما أثبته المقاومون في علي الطاهر، وسيبقى شاهداً على أن النصر الحقيقي ليس في الاحتفاظ بالحجر، بل في الاحتفاظ بالإرادة.
فمهما بلغت التكلفة، ومهما اشتدت المحن، ومهما طال الطريق، تبقى المقاومة هي الخيار الوحيد، والنصر حليفها في النهاية. هكذا علمتنا علي الطاهر، وهكذا ستبقى دروسها خالدة في وجدان كل حرّ يرفض الظلم ويقاوم الاحتلال.
