بقلم: فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

في زمن الشفافية المطلقة والمطالبة بالبث المباشر لكل التفاصيل، يقع الكثيرون في وهمٍ مفاده أن عدم الإفصاح الكامل يُعدّ بالضرورة تخبطاً أو إخفاءً للحقيقة. غير أن قراءة متأنية في التراث الإنساني — من النصوص المقدسة إلى التجارب التاريخية والرؤى الفلسفية — تكشف عن حكمة أعمق تؤكد أن الحقيقة كالدواء؛ إن أُعطيت بغير جرعاتها المحددة وفي زمانها المناسب تحولت إلى سمٍّ يقتل صاحبه قبل عدوه.

تتجلى هذه الفلسفة أولاً في القرآن الكريم عبر موقفين مفصليين في إدارة المعلومة؛ الأول في قصة موسى والخضر عليهما السلام، حيث اندفع موسى إلى إصدار حكم فوري بإنكار خرق السفينة بناءً على “ظاهر الأمر” والأخلاق العامة المنطقية لحماية المساكين، في حين صمت الخضر ولجأ للفعل دون شرح عاجل لأنه يتصرف من باب “امتلاك المعلومة الكاملة” والمستقبلية، ولم يكن أحدهما خاطئاً بل اختلفت زاوية الرؤية، وكان الإفصاح المبكر سينسف الغاية الأسمى. والموقف الثاني حين حذر يعقوب عليه السلام ولدَهُ يوسف قائلاً: {يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ}؛ فلم يكن الصمت هنا كتماناً للحقيقة بداعي الخداع، بل كان درعاً استباقياً لحمايته، لأن الإفصاح عن الحقيقة لجمهور غير مستعد أو ينطوي على نيات سيئة يوقظ الفتنة وينتهي بكارثة.

ولا تبتعد أدبيات الإنجيل المقدس عن هذه الرؤية الإنسانية الحكيمة؛ إذ يقرر السيد المسيح مفهوم “التدرج في كشف المعلومة” بحسب قدرة المستمعين حين قال لتلاميذه: «إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةً أَيْضاً لأَقُولَ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تەتَحَمَّلُوا الآنَ» (يوحنا 12:16)، موضحاً أن حجب بعض الحقائق مؤقتاً هو رحمة بالبشر لعدم جاهزية عقولهم للعبء. بل إنه حذر من طرح الحقيقة العميقة في بيئة غير مناسبة قد تستغلها للتدمير قائلاً: «لاَ تُطْرَحُوا دُرَرَّكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا… وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ» (متى 6:7).

تترسخ هذه الفكرة علمياً وفلسفياً حتى لدى غير المؤمنين بالأديان؛ فقد ناقش الفيلسوف اليوناني أفلاطون في “الجمهورية” مفهوم “الكذبة النبيلة” أو التكتم التكتيكي، موضحاً أن المجتمع يتكون من طبقات ذات مستويات إدراكية متباينة، وأن وضع المعطيات المعقدة أمام الجميع دون تمهيد يخلق الفوضى، فالواقع أحياناً يكون أعقد من قدرة الاستيعاب الجمعي اللحظي.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يشغل الشارع اليوم: لماذا لا تخبرنا المقاومة بكل ما يحصل ميدانياً أولاً بأول؟
الجواب يكمن في قلب هذه الفلسفة؛ وعلى قاعدة المثل يُضّرب ولا يقاس فالمقاومة في الميدان تتصرف بـ “منظور الخضر عليه السلام” الذي يملك المعلومة العسكرية الشاملة ويتوقع مآلات المعركة، بينما الجمهور يحكم بـ “منظور موسى عليه السلام” القائم على ظاهر الأحداث والاندفاع العاطفي اللحظي. المقاومة تصمت وتتحفظ عن ذكر التفاصيل لأن الإفصاح الكامل في أوقات الصراع يمنح العدو مجاناً تقييمات ميدانية ثمنها دماء، ويكشف مكامن القوة والضعف، ويفتح باب الحرب النفسية للشائعات. الصمت هنا ليس حجباً للحقيقة ولا استخفافاً بالجمهور، بل هو “صمت يعقوب ع” لحماية الرؤية، و”تدرج المسيح ع” حتى تنضج ثمار الميدان.

“حين تخوض المقاومة معركة وجود، يصبح الصمت سبيلاً للنصر لا كتماناً للخبر؛ إنها لا تخفيك ما يحصل إجحافاً بحقك في المعرفة، بل تكتمه عن العدو كي تبقى أنت آمناً لتعرف النتيجة غداً.”