ما أعلنه وزير خارجية إيران السيد “عراقجي” ينم عن كلام مدروس ومعرفة دقيقة بشخصية ترامب (أن إيران لا تحتاج لاستهداف رئيس أمريكا طالما يخدم مصالحها)، ويؤكد اضطرابه النفسي ما أعلنه مجدداً (أنه لا يعتقد أن المرشد الإيراني قد مات) ليعكس حقيقة ما يعانيه من إخلال سلوكي لرئيس يحكم أقوى دولة في العالم.
لم يشهد تاريخ أمريكا أن حكمها شخص بمستوى تهور ترامب، حتى مع أقرب حلفائه كندا، في الوقت الذي يعربد فيه بالحرب الاقتصادية، يرسل قائد الجيش الباكستاني للتوسط لفتح مضيق هرمز وتخفيف شروط الرجوع إلى المفاوضات التي أخلَّ بشروطها.
لا ننسى أنه يعيش مأزقاً سياسياً وقانونياً تتعلق به ثلاث وثلاثون قضية مقدمة ضده في المحاكم الأمريكية، في الوقت الذي يوزع فيه التهديدات بـ “الإنزال الاقتصادي”، يتلقى صفعات قضائية في عقر داره، برفض القاضي الفيدرالي “ألفين هيلرشتاين” مجدداً نقل قضية “أموال الصمت” إلى المحكمة الفيدرالية، ليُبقي ترامب محاصراً في محاكم نيويورك، مما يضعف مكانته قبل أسابيع من الانتخابات النصفية.
بقراره الأخير يقامر ترامب بأمريكا، لأنه سينعكس رفضاً على ما يقارب ربع دول العالم، وبهذه الارتجالية سنشهد انكفاءً عن السياسات الأمريكية والابتعاد عن نظام “السويفت” السيف البتَّار للإدارة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
الجديد الذي يغامر به ترامب يدفع الدول للبحث عن البديل لمعاملات التجارة الدولية، والبديل الصيني جاهز، وقد كانت بكين سبّاقة في رفض العقوبات الأحادية غير الشرعية، وتبعتها روسيا وباكستان، وانضمت قطر، وبعدها إسبانيا، وطلبت العراق وتركيا الاستثناء، وحسب التسريبات أن 15 دولة قريبة من جغرافية طُلب منها تشديد الحصار، وتحبذ تجميد القرار الأمريكي في الوقت الراهن.
كان التصريح الصيني الأول من بين هذه الدول، لأنها تشتري ما يقارب 80% من صادرات النفط الإيراني المنقولة بحراً، بأثمان مناسبة للحفاظ على مستوى أقل كلفة لبضائعها المسوقة عالمياً. كذلك حسب المعطيات المتوفرة، تغطي أموال النفط ما يعادل الميزانية السنوية التي تعلنها الحكومة الإيرانية، وقطع هذا التدفق من الكميات الهائلة من النفط يضر بمصالح الطرفين، لهذا كان موقف طهران صارماً: إما نفط للجميع أو إيقافه على الجميع.
عاد ترامب وصرّح أنه ليس ملزماً بالإعلان عما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستفرض عقوبات على البنوك الصينية التي تتعامل مع إيران أم لا. وأعلن سكرتير الخزانة الأمريكية في 24 أوت، أن واشنطن ستُشدد العقوبات الأحادية على إيران، على أمل قطع مصادر دخل طهران تماماً. مع ذلك، عندما سُئل عن سبب عدم اتخاذ واشنطن إجراءً فورياً ضد شركاء إيران التجاريين، قال إنه يأمل في تجنب المواجهة لأنه لا يريد “تفجير النظام المالي العالمي”.
واقع الحال يكشف أن إيران خلال فترة وقف إطلاق النار، كسرت الحصار البحري وتمكنت من تصدير 70 إلى 80 مليون برميل من النفط، وعاد حجم مبيعات النفط إلى مستوى ما قبل العقوبات، إضافة إلى تفريغ مخزونها العائم، وتعمل طهران على مسارات جديدة لتصدير نفطها. وتبقى السوق السوداء كفيلة باستيعاب كميات أكثر من نفط إيران، وهي آخذة في الازدياد تدريجياً. وفي الأيام القادمة سنكتشف أن القرار الأمريكي وُلِد ميتاً.
كما ستضطر بعض الدول للتوجه إلى نظام “سيبس” الصيني للتحويلات المالية البعيدة عن الرقابة والتحكم الأمريكي، وستشهد سياسة التحويلات بين دول “البريكس” بالعملات الوطنية قفزة نوعية، مما سيضع أمريكا أمام معضلة خطيرة ستقوض عماد الاقتصاد الأمريكي وهو الدولار.
نعم، هذا القرار سيترك بعض الأثر على قيمة تداول العملة الإيرانية في الأسواق، ومن المتوقع أن تتخذ الحكومة “كل الإجراءات اللازمة” لحماية مصالح شعبها.
ما يجري أن ترامب يُغطّي على عجزه العسكري بالانتقال للشق الاقتصادي قبل انتخابات النصف، وهي السياسة التي مارسها من قبل الحزب الديمقراطي وهو في الحكم، واتخذت قراراته في أكثر من محطة وفشل. ومع فشله هذه المرة، سيفتح الأبواب أمام دول عديدة للاستفادة من تجربة إيران في الحروب الاقتصادية وطرق القفز على “السويفت” ومن يتحكم فيه.
حسن بن عمارة-تونس
